مأساة عربية، وتواطؤ دولي
في عدوان إجرامي جديد، هو الأشرس من نوعه، والأكثر دموية في تاريخ الاحتلال، كما وصفه المراقبون، أقدمت آلة الحرب الإسرائيلية على ارتكاب مجزرة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وصبت نيران حممها وقذائفها على رؤوس الأبرياء والأطفال والعزّل، مخلفة مشاهد مأساوية مروعة، ستبقى وصمة عار جديدة في تاريخها، مضيفة إلى سجلها الحافل جريمة جديدة، ليس فقط ضد المدنيين والأبرياء من شعبنا في غزة، بل ضد الإنسانية جمعاء. إنها جرائم حرب ضد الإنسانية موصوفة بكل ما للكلمة من معنى…
فعلى مدى ثلاثة أسابيع والكوارث الإنسانية تتنقل في القطاع المذبوح من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت، وتروع مشاهد القتل والتدمير وسفك الدماء سكانها العزل، وتُدفن عائلات بأكملها تحت أنقاض المباني المدمرة جراء القصف الوحشي من البر والبحر والجو، وتمتزج صرخات الأطفال بعويل النساء مستصرخين ضمير الإنسانية لوقف المجزرة، بعد أن أبكت الرجال وأدمت قلوبهم.
فقطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 362 كم2، يقطنه أكثر من مليون ونصف نسمة، أكثر من ثلثهم في مدينة غزة القديمة وحدها، ويتوزع الباقي على ثمانية مخيمات تحيط بالمدينة أبرزها مخيم جباليا الذي يسكنه أكثر من 300 ألف نسمة. يعاني من زيادة الكثافة السكانية، إذ تبلغ (55) شخص في الكم2 الواحد، وهي من أعلى النسب في العالم. هذا القطاع محاصر منذ حزيران 2007، من البحر والجو والبر.
تعرض في الأيام الأولى للعدوان لأكثر من ألفي غارة جوية. كانت حصيلة الأسابيع الثلاثة، دمار أكثر من 22 ألف مسكن، منهم 5000 قد سويت بالأرض تماماً، من ضمنها حوالي 4000 مؤسسة مدنية، شملت المساجد والملاجئ والمدارس ومقرات الأمم المتحدة ومدارسها ومقرات ومؤسسات السلطة في غزة، وتخريب وتعطيل شبكات المياه والصرف الصحي بنسبة لاتقل عن 75%. علاوة على انقطاع الكهرباء ووقف امدادات الغذاء. ناهيك عن تجريف عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية. استخدمت إسرائيل أسلحة بالغة التطور ومحظورة دولياً، كقذائف الفوسفور الأبيض الحارقة والتي تتسبب في إتلاف الجهاز العصبي وجهاز التنفس إضافة للحروق القاتلة. حصدت هذه المجزرة أرواح أكثر من 1515 شهيد وحوالي 6000 جريح ومعوق. وقدرت الخسائر المادية جراء العدوان الغاشم بحوالي ملياري دولار.
يأتي توقيت العدوان الإسرائيلي في ظروف إقليمية ودولية دقيقة، وإنقسام في النظام العربي. وتصادم سياسي وعسكري فلسطيني فلسطيني أدى إلى تمزيق في الصف الفلسطيني وبلوغه درجة عالية من الخطر تجلت في انقلاب حماس على الشرعية واستئثارها بمقدرات قطاع غزة.
* * *
ومهما حاول قادة إسرائيل وجنرالاتها تبرير هذا العدوان والإتكاء على ذريعة أن صواريخ القطاع هي من أشعل الحرب. الحقيقية هذه العملية محضر لها مسبقاً لأسباب مختلفة. بغية تحقيق أهداف السياسية من وراءها، أبرزها الخروج من المتاهة السياسية الداخلية وتحقيق مكاسب على حساب الدم الفلسطيني الأقل تكلفة بالنسبة لها، وتوظيف هذه الحرب في معركة الانتخابات القادمة للاستحواذ على عواطف الناخب الإسرائيلي، الذي لا يزال مزاجه السياسي يميل نحو التشدد والتطرف، ولا سيما بعد الفشل في حرب تموز 2006 على لبنان، ورغبة هؤلاء في ترميم قدرات إسرائيل الردعية، وتصحيح صورتها. أما على المستوى السياسي فهي تهدف إلى إضعاف حماس، وبالتالي تعزيز الانقسام الفلسطيني، لتبرير ادعاءها بعدم وجود شريك فلسطيني مؤهل، للاستمرار في مفاوضات التسوية التي لا تريدها أصلاً.
* * *
وعلى جانب آخر، بدا الموقف الدولي خلال هذا العدوان مخزياً، تراوح بين انحياز سافر للإدارة الأمريكية الراحلة لعدوان إسرائيل، الذي تجلى في عرقاة انعقاد مجلس الأمن، وعدم تصويتها على قراره الصادر رقم 1860، إلى صمت مخجل، تجلى لدى أطراف دولية أخرى بذريعة أن حماس هي البادئة، أو أن المهم هو وقف صواريخ حماس على إسرائيل.
أما موقف النظام العربي، فقد بدا مرتبكاً وعاجزاً منذ الأيام الأولى للعدوان، وبدا العرب "عربان"، عرب الاعتدال وعرب الممانعة، لكن الشيء المشترك بينهما، ترك غزة تحترق لوحدها، مما ساعد على استباحتها واستفرادها، وتعاطت الأنظمة العربية مع الحدث كل من موقعه بعد حسابات معقدة، لكنها تصب في خدمة الأجندات الخاصة، وتتوخ الحيطة والحذر من أن تطال تداعيات الحرب عروشها وساحاتها. أو أن تنال من مواقفها ومواقعها التي يبدو أنها ستظل معّلقة إلى أن تنجلي بوادر المخرج من الأزمة الإقليمية والدولية التي تعيش تحت وطأتها منطقة الشرق الأوسط.
إن التمزق والضعف الذي يسم الواقع العربي ، وغياب استراتيجية سياسية عربية في المنطقة، فتح المجال لبروز أدوار إقليمية لإيران وتركيا، ليس فقط لملء الفراغ فيها، بل للاشتغال على قضاياها ومشاكلها الخاصة وتجييرها وفق مصالحهما وأجنداتهما، وهو ما عمق الانقسام داخل الصف الفلسطيني، فجميع الأطراف الإقليمية تسعى إلى تحقيق مصالها في المنطقة.
سعت أسرائيل إلى إذكاء نار الفتنة بين حماس وفتح، وبقية الفصائل الأخرى. فضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية، مسألة تسهر على استمرارها وتكريسها مهما كلف الثمن، وتحول الدولة الموعودة إلى (دويلتان)، وبالتالي فلسطين إلى (فلسطينان). وأخيراً تصبح القضية قضيتان، إحداهما تنفي الأخرى. لقد أرادت إسرائيل من خلال عدوانها المبيت، ليس إسقاط حماس، بل ربما مقدمة لإسقاط القضية الفلسطينية ككل.
وبالنظر إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية عموماً، وما استجد في غزة من خراب ودمار، أصبح من الواجب على كل من حماس وفتح التوافق على استراتيجية سياسية واحدة، تتضمن المسائل التالية الواجب انجازها أولاً استكمال التحرير وثانياً بناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وثالثاً عودة اللاجئين. والعمل فوراً على إشاعة أجواء الثقة ووقف الحملات الإعلامية وتشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة كارثة غزة، والإسراع بوضع آليات عمل شفافة لإعادة بناءها.
نشرة الرأي
كانون الأول2008 – كانون الثاني2009
العددان 82-83




















