إن “المؤامرة”، الطَيف، الكائن غير المرئّي، باتت تفعل فعلتها في مجتمعاتنا، في السياسة والدين. وهي للمناسبة، تبدو ذكية جداً، إذ تنتقل بخفّة ورشاقة يتعذّرُ معها لمسها أو حتى لمحها، وتجري مطاردتها من قبل أجهزة المخابرات، “العين الساهرة”، ومن قبل رجال الدين ولفّاتهم ولفيفهم، بهدف المحافظة على وحدة الأمّة، الدولة، الدين والعائلة، ولكن من دون جدوى حتى الآن، فما زالت عصيّة المنال، ولا تني تكبر وتتوسّع.
في مجتمعاتنا، تنطلق السلطات السياسية والدينية بما هي سلطات ابوية بطريركية، تعمل وتنازع فقط من أجل الإبقاء على قبضتها وسطوتها عليه، بأيّ ثمن، ولو بكلفة دموية كبيرة، من فرضيّة أن المؤامرة، تلبسُ لبوس المطالبة بالحقوق الانسانية، المدنية، الشخصية والسياسية، ولتتهمها بأنها مؤامرة غربية، اسرائيلية، امبريالية متوحشة والى ما هنالك من تسميات باتت كلازمات لخطابها، تهدف بزعمهم الى تفتيت بلداننا وثقافاتنا.
ولقطع دابرها، يعمد “الامن الساهر” الى اعتقال وتعذيب من يُتمتم بكلمة “تغيير”، أو يقول كلمة حق أو ضمير، والى إطلاق الرصاص والمَدافع على من يتخطّى ذلك، ويتجرّأ بالخروج سلمياً الى الشارع مطالباً بالاصلاح وتغيير النظام، بحجة إضعاف الشعور القومي، ووهن نفسية الأمّة، والنيل من هيبة الدولة. كما يعمد ايضاً رجال الدين ودور الافتاء، الى التهديد والوعيد، بالويل والثبور، لمجرّد اقتراح قانون مدني “اختياري” للأحوال الشخصية، ولحماية النساء من العنف الأُسري، تحت شعارأن ذلك يُؤدّي الى كسر هيبة عماد الأُسرة، وإضعاف مكانته المعنوية، والى تعقيد اطفال المسلمين نفسياً.
نقول لهم، لأقطاب السلطتين، بصراحة متناهية، انهم، هم المتآمرون على شعوبهم ورعاياهم، وهم، صنيعة الاستعمار والمؤامرات الخارجية التي دعمت وجودهم وسلطتهم خلال عشرات السنين، ولا تزال. وأن ليس من امكانية لشعب بكامله ان يكون متآمراً، فقط يمكن للسلطة ان تكون متآمرة. ونقول لهم ايضاً، أنهم اصابوا عين الحقيقة حينما اعتبروا ان الهدف من التحرّك والتظاهر، ومن تقديم مشاريع القوانين الاصلاحية، هو كسر هيبة الدولة وتغيير النظام، وكسر هيبة عماد الأُسرة وإضعاف مكانته المعنوية، ولكن ليس بالمطلق، بل بما هم رموز للتسلّط الأبوي البطريركي، المسؤول التاريخي عن حال التردّي، والانحطاط السياسي والديني الذي وصلنا اليه نحن ومجتمعنا واطفالنا ونساؤنا.
نريد اسقاط الشرعية السياسية والدينية عنكم، نعم، لإعادة بناء مجتمع جديد، لا مكان فيه لتسلُّط انسان على آخر، مهما بلغت قدراته وجبروته، وبناء دولة مدنية ديموقراطية، تحترم ناسها ومواطنيها، وتساوي في ما بينهم، وتحاسب الظالم والفاسد والمرتشي والمتآمر. وإعادة الدين بكل تلاوينه، كمفهوم ثقافي اجتماعي واخلاقي الى “الروح” التي نشأ من أجلها، وهي التقارب والمحبة والسلام، وليس التباعد والفتنة والاقتتال.
الطريق صعب وطويل، ودونه تضحيات لا تبخل الشعوب بتقديمها، فكل موقف رافض لهذا الواقع يُعلن، وكل تظاهرة سلمية تقوم، وكل اعتصام صامت يُنفّذ، وكل دعم أو صرخة لكلمة “الحرية” تصدح بها حناجر الاحرار، هو مدماك وخطوة في سيرورة مستقبلنا الانساني. نحن لا ينقصنا هذا الشعور الانساني، بل يفيض فينا.




















