المفاوضات حول الشروط والشروط المضادة التي تديرها مصر بين اسرائيل و"حماس" لا تبدو في طريقها الى انتاج الهدنة الموعودة.
اسرائيل الغارقة في حملاتها الانتخابية ليست في وضع من يقدم "تنازلات" لـ"حماس". و"حماس" الغارقة في صراعها مع السلطة الفلسطينية ليست في وضع من يتخلى عن مبررات سيطرتها على قطاع غزة.
والطرف الوسيط، اي القاهرة، يتعرض لحملات ويرد بحملات لا تبشر بانه سيخرج بصفته الطرف الذي وجد حلا وسطا.
حتى اطراف بعيدون نسبيا، كتركيا، وجدوا انفسهم في المعمعة مما افقدهم ايضا صفة الوسيط بالنسبة لأحد الطرفين: اسرائيل او "حماس".
وسط كل ذلك يزداد الدور الاميركي المباشر هزالا، ولا يغطيه ان طبيعة مهمة مبعوث الرئيس الاميركي الى الشرق الاوسط هي لمجرد الاستماع.
فوفق الوتيرة التي تعمل بها الادارة الاميركية حاليا يبدو وكأنها تركت الاطراف تسوّي امورها منفردة، في انتظار مرحلة لاحقة غير محددة لتدخل اميركي غير واضح.
حتى الاخبار التي تحدثت عن محادثات تجريها جهات قريبة من الادارة الاميركية مع كل من طهران ودمشق سرعان ما ابتلعها تحجيمها باعلان البيت الابيض تبرؤه منها.
ربما الامر يتعلق بالانتخابات الاسرائيلية في العاشر من الشهر الجاري باعتبارها ستحدد هوية الحكومة الاسرائيلية المقبلة. فلا حاجة منذ الآن لتبديد الجهود، بينما سيكون مطلوبا البناء على الصيغة التي سترسو عليها التوازنات الحزبية في اسرائيل.
حتى هذا الامر قد يتطلب مدى زمنيا اطول من المتوقع. فـ"الليكود" الذي ينتظر ان يكون الفائز الاول، بحسب استطلاعات الرأي، سيخوض بعد الانتخابات في محاولة لتشكيل حكومة "وحدة وطنية" قبل ان يرتد اذا فشل الى حكومة يمينية ذات قاعدة ضعيفة، مع ما يتطلبه ذلك من مساومات وزمن.
في المقابل تمثل "حماس" عمليا موقف حليفيها السوري والايراني، ايا يكن هامش استقلال القرار الذي ما زالت تتمتع به.
وعلى هذا الصعيد ليس مفهوما لماذا يمكن ان تفرّط كل من دمشق وطهران، بالورقة الفلسطينية، قبل ان تباشر الولايات المتحدة الافصاح عن سياساتها المقبلة، وقبل ان تتحول هذه السياسات الى مشاريع علاقات ملموسة بالعاصمتين، سواء اتخذت منحى التوتر او الانفتاح.
لماذا تسهّل طهران عمل القاهرة وهي لا تعرف بعد ماذا يعنيه تكرار باراك اوباما للصيغ العامة في الموقف الاميركي، من القدرات النووية الايرانية؟
ولماذا تسهل دمشق تشكيل حكومة فلسطينية تعيد "حماس" الى كنف السلطة، فيما الانفتاح الاميركي الموعود على دمشق لا يزال من دون جدول اعمال؟
وكيف يمكن توقع هذا كله فيما الوصول المتوقع لبنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة في اسرائيل سيعني ان السياسة الفلسطينية التي يدفع اليها محور طهران – دمشق، وفي امتدادها الموقف من عملية السلام كلها، ستبدو اكثر واقعية من مشروعات السلام التي باتت من دون أبطال، اذا استثنينا الآمال العريضة المعلقة على اوباما، من دون ان يكون ثمة مستند لذلك غير الاجواء التي رافقت انتخابه؟
قد لا تشهد المرحلة المقبلة مواجهات شاملة، وقد كان وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك واضحا في القول ان الجيش الاسرائيلي لا يستعد لها حاليا.
لكن هذه المرحلة لن تكون اطارا مناسبا لاي خطوة جذرية في التقريب بين المعسكرين "العربيين" المتنافسين، والفلسطينيون باتوا محكومين بتنافسهما، وفي التقريب بين ادارة اوباما والعاصمتين السورية والايرانية، طالما ان جدول اعمال التقارب او التباعد، فيه بند اسرائيلي بارز.
بعد ان تحددت هوية الجالس على كرسي الرئاسة الاميركية، المنتظر تحديد طبيعة الحكومة الاسرائيلية الجديدة، لا رئيسها فقط، حتى يقرر العرب هل يتجهون الى تقارب مفروض عليهم كأمر واقع، ام ينطلقون لاعطاء انشقاقهم كامل اوصافه.
محمد ابرهيم
"النهار"




















