بعد الأوراق الخاصة وغير المنشورة لرولان بارت حول رحلته الى الصين التي أعدّها الكاتب فيليب سولرز لتصدر في كتاب خاص وقد ترجمنا قسماً منها ونشرت في الصفحة الثقافية، تظهر الى العلن ايضاً أوراق خاصة وحميمة لبارت كتبها بعد وفاة أمه وتصدر عن "دار سوي" بعنوان "مذكرات الحِداد". ويقول بارت ان والدته كانت كل شيء بالنسبة له (توفي والده وهو لما يبلغ السنة) وقد عاش معها حوالي الستين عاماً وعمل على خدمتها في مرحلة شيخوختها ومرضها في أيامها الأخيرة. اما تاريخ 25 تشرين الأول 1977 فهو تاريخ الحزن لأن امه او هنرييت بينجر بارت رحلت عن هذه الدنيا وكانت تبلغ 84 عاماً، ما شكل له مأساة كبيرة وصدمة لصاحب المؤلف الضخم "الميثولوجيات" الذي راح يتساءل حول جدوى ان يستمر في الحياة أو ان يستمر في العمل، في التعليم او في الكتابة. وفي الواقع منذ ذلك التاريخ لم يعد رولان بارت على طبيعته، تغيرت حياته وعاش بعدها ثلاثة اعوام لخصها بالتالي: "اعيش من دون اي هدف ومن دون اي رغبة بأن يقرأني احد…" ننقل بعض هذه الكتابات الى العربية:
[ 29 تشرين الأول 1977
تسكنني فكرة ـ مفاجئة ولا تخيبني ـ بانها لم تكن كل شيء بالنسبة الي، والاّ لم اتمكن من كتابات مؤلفات خاصة. ولكن منذ ستة أشهر صارت كل شيء بالنسبة لي، ونسيت كلياًَ بأنني كنت اكتب. لم اعد سوى لها وبجنون. ومن قبل، كانت تحاول ان تكون دائماًَ شفافة ومتوارية لأتمكن من الكتابة.
[31 تشرين الأول:
الاثنين، الساعة الثالثة بعد الظهر، عدت وحدي للمرة الأولى الى شقتي. وكيف لي ان اعيش وحدي هنا؟ وبالمقابل، لا أمل بل اليقين بأن الوضع لن يتغير.
[5 تشرين الثاني:
امضيت بعد الظهر حزيناً قمت بشراء حاجياتي. عند بائع الحلوى، اشتريت قطعة وسمعت البائعة تقول وهي تخدم زبونة: "ها هو"! وكان التعبير عنه الذي كنت أقوله لأمي عندما اجلب لها اي شيء وانا اخدمها ذات يوم وكانت في أيامها الأخيرة قالت وهي شبه غير واعية: "ها هوّ انا هنا!" الكلمات التي قلناها لبعضنا طوال حياتنا معاً. كلمة البائعة هذه جعلت الدموع في عيني. وبكيت طويلاً (بعد ان عدت الى شقتنا الصامتة) هكذا، افهم حدادي عليها. فهو ليس مباشرة في العزلة والوحدة الخ… استمر بحد اقصى من الانضباط والراحة ما يجعل كل من حولي يعتقد بأنني اقل حزناً مما انا عليه. اما حزني فهو هنا حيث تتمزق علاقة الحب، حيث تتمزق كلمة: "نحن نحب بعضنا" من النقطة الأكثر احتراقاً الى النقطة الأكثر تجريداً…
[19 تشرين الثاني:
طوال اشهر، كنت انا أمها وكأنني انا من يفقد ابنته (وهل من ألم اكبر من هذا الألم؟ لم افكر حتى به).
[ 30 تشرين الثاني :
لن اقول :حِداد". انها كلمة تخوص بقوة في التحليل النفسي فأنا لست في حالة "حِداد". انا اعيش الحزن.
[ 7 كانون الأول:
الآن، واحياناً يطلع من داخلي مثل الفقاقيع التي تنفجر الاستنتاج التالي: "لم تعد موجودة لم تعد موجودة". الى الابد ، وبشكل كامل. الأمر يشبه حالة الاحساس بالجفاف، من دون صفة لأنها ستكون غير معبرة. انه نوع جديد من الألم.
[ 27 كانون الأول:
حالة عنيفة من البكاء (بعد قصة حول الزبدة وبائع الزبدة مع راشيل وميشال). الألم لأنني ملزم بالعيش في منزل آخر. وكل شيء هنا في "او" يذكرني بمنزلها. وكل ثنائي (زوج) يشكل حاجزاً والفرد منه مطرود.
[ 12 شباط 1978:
ثلج، ثلج كثير فوق باريس، الأمر غريب. اقول في ذاتي واتألم: لن تكون بعد اليوم هنا لترى الثلج، لاخبرها عنه.
[ 6 آذار:
معطفي حزين والمشلح الأسود او الرمادي الذي اضعه دائماً والذي لم تحبه امي على ما اعتقد،اسمع صوتها تقول لي بأن اغيّر واضع قليلاً من الألوان. لذا، للمرة الأولى، اضع مشلحاً ملوناً (الوان ايكوسيه).
[ 20 آذار:
يُقال (وتقول لي السيدة بانزيره) الوقت يهدئ الحزن ـ كلا، الوقت لا يجعل شيئاً يمر، هو يغير فقط انفعالية الحِداد الأولى.
[ 2 نيسان:
ماذا يمكن ان افقد الآن بعد ان فقدت السبب الرئيسي لحياتي ولم يعد لدي من اخاف عليه.
[ "دوي كازا، 27 نيسان 1978 صباح عودتي الى باريس:
ـ هنا، وخلال خمسة عشر يوماً لم اكف عن التفكير بـ "مام" ولم اكف عن الالم بسبب موتها.
ـ من دون شك انه ما زال المنزل في باريس تماماً كما عهدته في نظامه حين كانت هنا.
ـ وهنا من بعيد، ارى هذا النظام ينهار، ما يعني انني اعاني اكثر حين اكون "خارج" هذا النظام بعيداً "عنها" حيث كل واحد يقول لي: "لديك كل شيء هنا لتنساها"، واعرف انني هكذا انسى اقل.
[ 16 حزيران:
بالحديث الى "ك.م." عن الحزن الذي اشعر به حين انظر الى صور امي وبأنني ارغب في كتابة شيء انطلاقاً من هذه الصور، تقول لي: "ربما لا زال الوقت باكراً" دائماً يقولون لي هذا وكأن الحداد او الحزن عليها سوف ينضج والوقت سيجعله يقع مثل فاكهة ناضجة… ولكن الحزن بالنسبة الي جامد ولا يتحرك ولا يخضع لهذه القوانين…
[ 29 تموز:
رأيت فيلماً لهيتشكوك "عشاق مدار الجدي" مع انغريد برغمان (حوالي العام 1946) ولا اعرف لماذا، ولا اعرف كيف اقول ذلك، فإن جسد هذه الممثلة يؤثر بي ويذكرني بأمي: لون بشرتها، يداها الجميلتان والبسيطتان، هذا الانطباع عن انوثتها غير النرسيسية.
[ الأول من آب:
حِداد. عند موت الانسان الذي نحب، نمر بمرحلة حادة في النرسيسية، نخرج من المرض وخدمة المريض. ثم رويداً رويداً نشعر بأن الحرية تثقل وبأن الاحساس بالأسى يكبر، وبدلاً من النرسيسية نقع في الانانية الحزينة…
[18 آب:
المكان في الغرفة حيث كانت مريضة وحيث ماتت وانا اسكن فيه اليوم، وبالتحديد هذا الحائط حيث كان سريرها وضعت ايقونة ـ ليس بسبب الايمان ـ واضع دوماً وروداً على الطاولة. احياناً ارغب بعدم السفر والابتعاد لأبقى هنا كي اعمل على تأخير ذبول الوردات.
[ 21 آب:
ولماذا ارغب في الشهرة ما بعد الموت، باستمرار ظلي واثري اذا كان الاشخاص الذين احببتهم بقوة في حياتي واحبهم دائماً بقوة يرحلون ولا يتركون اثراً؟
بماذا قد يهمني ان استمر ابعد من حياتي، في ذاك المجهول البارد والكاذب الذي نسميه "التاريخ" اذا كانت ذكرى امي لن تستمر اذا انا مت ومات ايضاً كل من عرفها؟ فأنا لا اريد تمثالاً لي وحدي. الحزن اناني. فأنا لا اتكلم الا عن نفسي، ولا اعرف كيف اتكلم عنها لأقول كيف كانت او لأصفها واحدد بورتريه خاصاً لها مؤثراً (تماماً كما فعل اندريه جيد مع مادلين).
"المستقبل"




















