فاشلون. هذه هي العلامة التي نستحقها- كوسائل إعلام، وكجمهور، وبشكل رئيسي كسياسيين- على هذه الحملة الإنتخابية. فشلنا لأننا تنازلنا لهم: لبنيامين نتنياهو، تسيبي ليفني، وإيهود باراك. لم نصر على مضايقتهم بالأسئلة المهمة، ولم ننجح في وقفهم عن بيعنا الشعارات الفارغة أو في الحصول منهم على إجابات عميقة وحقيقية. الكلمات التي خرجت من أفواههم كانت مصقولة، خاضعة للرقابة وشحيحة وفقا لتعليمات مستشاري استطلاعات الرأي، وهي كانت تهدف إلى دفعنا إلى التوقف عن التفكير. إلى أخذ الإنطباع من الغلاف، من الإطلالة، وحرف الإنتباه عن الأشياء المهمة. وسواء اعترفنا بذلك أم لا، لقد سممونا.
فشلنا لأننا سمحنا لهذه الحملة الإنتخابية بالإنزلاق من بين أيدينا ولم نصر على سلسلة مواجهات بين المرشحين الرئيسييين. صحيح أنه كانت هناك حرب، إلا أنها انتهت. ولو كانت حصلت مواجهة خلال الأسابيع الأخيرة، لكنا تمكنا من رؤية الفوارق بين بيبي وليفني وباراك. لكنا وضعناهم أمام استحقاقات المواضيع الساخنة والحيوية لمستقبل أبنائنا، مثل التعليم، الإقتصاد، غلعاد شاليط، الدين والدولة، المساواة بين الرجل والمرأة، عرب إٍسرائيل، وبالطبع، العملية السياسية مع الشعب الفلسطيني. وربما كنا حينها حظينا بفكرة حقيقية عنهم وعن مكانينهم، لنقرر من نصدق ومن نمنح الشيء الأهم في الديموقراطية: صوتنا.
تجدر الإشارة هنا إلى أن المرشح الأبرز قرر الإمتناع عن المواجهة. باراك وليفني إستجاباً. بل إنهما أعطيا مقابلات لكل وسائل الإعلام، لكن بيبي، الذي يعتقد أن لديه الكثير ليخسره، رفض المواجهة. لقد منع الجمهور الذي يدعي أنه سيقوده من ذلك. إلا أن هذا شهادة فقر ليس فقط لنتنياهو، وإنما لوسائل الإعلام ـ القنوات التلفزيونية الثلاثة، الصحف اليومية وكل قنوات الراديو والإنترنت ـ التي لم تفلح في شبك أيديها ومقاطعة الليكود ونتنياهو احتجاجا إلى أن ينكسر ويوافق. كان علينا أن نفضل الديموقراطية على التنافس. وسوف ندفع على ما يبدو ثمن هذا الخطأ في الإنتخابات القادمة، لأن المرشح الأبرز آنذاك سيجبن مجددا ويرفض.
في الولايات المتحدة تجري ثلاثة مواجهات تلفزيونية في كل حملة انتخابية. ليس واحدة ولا اثنتين. ثلاثة. وبقدر ما نتوق لأن نكون أميركا، فإننا بعيدون عنها. أمس حاولت القناة الثانية أن تتأمرك قليلا. استدعت المرشحين الثلاثة إلى الاستديو حيث التقوا لثوانٍ فقط، عندما كانوا يبدلون الكراسي، وكل واحد منهم أجاب على الأسئلة التي وجهها له متصفحون على الإنترنت. هذا جميل، وهو يشجع الديموقراطية، لكنه بعيد عن أن يكون الشيء الحقيقي، أي مواجهة فعلية.
في أميركا، وسائل الإعلام والجمهور يعلمون كيف يطلبون ما يستحقونه. نحن لدينا آلية ديموقراطية، لكن الأميركيين لديهم تقاليد ديموقراطية عميقة تحرك هذه الآلية. التعامل مع السياسة عندنا أشبه بالتعامل مع كرة القدم. نحن نحب حزبا من دون أن نسأل أسئلة. لدينا علاقة شبه قبلية معه، ولا يهمنا فعلا إن كان يعمل لأجل مصالحنا. المهم أن ينتصر ويكون في الحكم.
("معاريف" 2/2/2009)
ترجمة عباس اسماعيل




















