كم يُمكِن للعدوان الذي أطلقته إسرائيل على غزّة أن يستمرّ، وما الذي يُمكِن لها أن تربحه؟ فها هي تستغلّ عطلة نهاية العام والأيّام الأخيرة لإدارة طاقم جورج والكر بوش في البيت الأبيض، لتحاول عسكريّاً عبر القصف والتدمير حسم المعضلة التي تواجهها. ومعضلتها هي أنّها حين لا ترغب في تقديم أيّ تنازلات لحقوق الفلسطينيين، فلن تلقى سوى… المقاومة.
صنعت السياسات الإسرائيليّة من غزّة سجناً كبيراً لملايين الفلسطينيين. وكما في كلّ السجون يتجذّر المساجين ويتضامنون أكثر، كلّما قام السجّان بتجويعهم وقمعهم، بل ينتخبون ديمقراطياً من يقود المقاومة؛ إذ لا فائدة من المساومة كي تكون نتيجة التباحث فقط… استمرار السجن إلى ما لا نهاية. بل أنّ غلاظة السجن قد أدّت، حتّى قبل العدوان، إلى موجة تعاطفٍ غير مسبوقة عربيّاً ودوليّاً؛ فمتى شاهدنا سابقاً سفناً ومظاهرات تحاول فعليّاً كسر حصارٍ على فلسطينيين؟
كان الساسة والقادة العسكريّون الإسرائيليّون قد قبِلوا "تهدئةً" لستّة أشهر، بانتظار نتائج الانتخابات الأمريكيّة، وللاختيار بين الضربة على إيران أو على غزّة، ولاستكمال أخذ الدروس من فشلهم في جنوب لبنان أمام "حزب الله"، وللاستمرار بإنهاك شعب غزّة معيشيّاً ومعنويّاً، ولبلبلة "حماس" والفصائل المقاومة في الخلافات السياسيّة مع السلطة في رام الله ودولٍ عربيّة. ثمّ قبيل الضربة، ورّطوا مصر عبر زيارة تسيبي ليفني إليها كي تظهر متواطئة مع العدوان، وأحرجوا سورية وتركيا حيث كانت مباحثات السلام تبدو وكأنّها تأخذ منحاً إيجابيّاً.
هكذا شرعوا بعمليّتهم العسكريّة، وأثارت الدماء التي تُهدَر غضباً شعبيّاً عربيّاً وإسلاميّاً ودوليّاً، ليس خوفاً من حربٍ عالميّة كما كان عليه الأمر لدى اجتياح العراق، وإنّما خاصّةً لاستعادتهم الصورة البغيضة لسياسات إدارة بوش في التجويع ثمّ الغزو، الذي ظنّ العالم أنّه طواها مع انتخاب باراك أوباما وتوديع الرئيس المرتحِل… بضربة حذاء. ويأتي هذا الغضب في ظروف أزمةٍ مالية عالميّة واستياءٍ وانتفاضات ضدّ السياسات الحكوميّة، تعيد للقضيّة الفلسطينيّة دورها الرمزيّ في النضالات الاجتماعيّة.
فهل يستطيع الجيش الإسرائيليّ الاستمرار بعمليات القصف الجويّ طويلاً كما فعل في جنوب لبنان؟ وهل يقدِر على اجتياح قطّاع غزّة بريّاً دون تكبّد خسائرٍ بشريّة في صفوفه ودون أن يُحدث مجزرةً بين المدنيين؟ ثمّ ماذا في النهاية؟ فحتّى لو استطاع إعادة احتلال القطّاع و"استئصال" قادة حماس، كم سيتمكّن من البقاء على الأرض، وإلى من سيسلّم غزّة؟ إلى السلطة الفلسطينيّة، ويفقدها شرعيّتها داخليّاً؟ أم إلى قوّاتٍ عربيّة يجعلها حارساً على… أمن إسرائيل؟ ستبقى المعضلة قائمة وسيبقى السجن.
ربّما لن يستطيع كلّ ذلك. وربّما تعلّم الفلسطينيّون هم أيضاً من دروس حرب لبنان صيف 2006، وأنّ الصمود مهما كان العدوان عاتياً، يُفقِد المعتدي زهوته حتّى على صعيد ساحته الداخليّة، مهما كانت مهيّجة ومحضّرة سابقاً. بل ربّما أنّه السبيل الأساسي لجعل الإسرائيليين ينفصلون عن سياسييهم الفاسِدين وطغمتهم العسكريّة ويميلون أخيراً إجماعاً نحو التنازلات الضروريّة للسلام.
فطالما لا ترغب إسرائيل منح حقوقهم للفلسطينيين، وهم، بما فيهم حماس، يقبلون بدولةٍ فلسطينيّة في حدود 4 حزيران/يونيو، ستستمرّ المقاومة، وتجِد دوماً أشكالاً جديدة، حتّى ولو فقط… بالأحذية.
إسرائيل لن تستطيع الاستمرار بعدوانها طويلاً. فقد أحدث هذا العدوان شرخاً عربيّاً وإقليميّاً لا يُحتَمَل، أقوى من الشرخ الذي أحدثه العدوان على لبنان. فحين حدوث هذا الأخير، كانت إيران في صلب التفاعلات الإقليميّة؛ أمّا اليوم فتركيا أيضاً قد دخلت صلب هذه التفاعلات، ممّا يُمكن أن يُفقِد إسرائيل حليفاً تاريخيّاً. بل إنّ غزّة تضع الحكومات العربية برمّتها في وضعٍ حرج. فغزّة نقطة الالتقاء بين مشرقه ومغربه؛ نقطة الوصل بين بلاد الشام والجزيرة العربية ومصر ومنها المغرب العربي. واستطالة مأساتها في غياب موقفٍ عربيّ موحّد سيؤدّي ليس فقط إلى تعميق الشرخ الموجود أصلاً نحو ما لا يُمكن وصله، بل سيضع كلّ الحكومات العربيّة في مواجهة غضب شعوبها ويفتح المجال أمام تغيّرات عميقة. هذا في حين ستواجه هذه الشعوب خلال 2009 آثار الأزمة العالميّة القاسية على اقتصاداتها ومجتمعاتها.
عمّا كان الخلاف في الأساس بين الطغمة الحاكمة في إسرائيل وبين حماس وفلسطينيي غزّة فيما يتعلّق باستمرار التهدئة؟ ألم تكُن حول فتح المعابر وعدد المعتقلين الفلسطينيين المفترض الإفراج عنهم. وكانت إجابة السجّان قصفاً وتقتيلاً داخل السجن، دون حتّى منح سجناء السجن الآخر المخفّف العقوبات في الضفّة الغربيّة أيّ أملٍ بالتحسّن. وماذا ستكون نهاية العدوان؟ ألن تفتح المعابر؟ وهل سيبقى الفلسطينيون إلى ما لا نهاية في السجن؟
إن انتصر السجّان فستصبح المنطقة برمّتها سجناً كبيراً. وإن صمد السجناء وانتصرت العدالة حتّى بأدنى مستوياتها، فسيتمّ إنقاذ… من سيتبقّى من… السُّجناء، وربّما أيضاً من جلسوا يتفرّجون والسجّان كذلك… من أنفسهم.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
"لوموند ديبلوماتيك"




















