مع دغدغته لأحلام البعض بالنصر الآني وهجاسهم بالقوة العسكرية، يضعنا "حزب الله" في مأزق حيث لا يتمايز تماهيه مع هويته عن الموت الخالص الذي يسعى للتحكم برقاب الجميع. تسعى هذه المقالة إلى ابراز هذا الفخ المزدوج، وترى في حيوية المجتمع ككل بصيص أمل قد يبدأ بطرح رؤاه مع الانتخابات المقبلة.
لسبب مجهول، لا يزال هنالك في لبنان من يأمل في أن تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة مناسبة لحسم بعض الصراعات حول توجه لبنان وموقعه السياسي، في حين لم تحسمها الانتخابات السابقة. ربما ينبع ذلك من آمال دفينة لدى كل طرف بالانتصار. إلا أن قبول الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يشكل، في ذاته، انتصاراً فعلياً على قوة السلاح في المعادلة الداخلية، وهذا ما يجعل واقعة قيام زعيم "حزب الله" بالتنبيه على احتمال تأجيل الانتخابات مسألة بالغة الخطورة، وإن جاءت اشارته في معرض نفي مثل تلك الرغبة والاعتراض عليها. ذلك أن فاعلية الاقتراع العام تتأتى اساساً من كونه يحسم أن القوة في الجسم القانوني نابعة من رغبة أكثرية الشعب، لا من امتلاك أسباب القوة العسكرية، وأن الشرعية القانونية والسياسية تتقرر بشكل سلمي، والخروج عليها لا يأتي بنتائج مشروعة، لا دولياً ولا داخلياً على ما اظهرت التجربة، وان استند إلى قوة ميليشيوية أكبر من جيش الدولة نفسه. هذه القوة لا يمتلكها اليوم حقاً في لبنان سوى "حزب الله"، ما يجعل المناقشة مع الآخرين من حلفائه غير ذات معنى سوى تزجية الوقت في ظل غياب الحوار معه.
يدرك زعيم "حزب الله" انه سينال ما يشاء من المقاعد النيابية المخصصة لطائفته، وهو قد دفع، ويدفع إلى الآن، ثمنها أموالاً سياسية طاهرة وغير طاهرة، ودماء شريفة، ومساجد ومشافي وهيئات تعاونية ومساعدات… الخ. أي أن المعركة الانتخابية تجري على غير أرضه، وحتى اللجوء إلى السلاح لن يعين في حسمها، بل فقط في تعطيلها. إلا ان اجراءها، في حد ذاته ومن حيث هو احتكام إلى السياسة والتعدد والحياة الحاضرة المضارعة، سيشكل انتصاراً على هذا السلاح وعلى منطق الحزب الذي يعشق امرين فقط، السلاح والشهادة، ويقطف باستمرار النصر في الحال من دون أن يتزحزح قيد أنملة عن هويته الشريفة الثابتة الأبدية، أي الميتة.
عشق السلاح
يتجاوز تعلق "حزب الله" بسلاحه ما يمكن أن يستند إلى الموروث الشعبي عن زينة الرجال، أو إلى الموروث الديني القائل باعداد القوة ورباط الخيل لإرهاب عدو الله. فالحزب ليس فقط في حالة اعداد واستعداد، بل في حالة افتتان واستلاب خالصين أمام فكرة القوة المفصلة لا المجردة. فالاحداثيات والتعابير المستقاة من التجارب العسكرية والتسريبات الدائمة عن الصواريخ والمواقع وما يطال وما لا يطال، دائمة الذكر على ألسن قادته. بل ان هذا الافتتان بلغ حد انشاء سلاح لحماية السلاح نفسه، وليس ما يمنع أن يتناسل هذا من ذلك، كما باتت شبكة الهاتف السرية سلاح اشارة لحماية السلاح الأول وفي حاجة إلى سلاح ثالث لحمايتها …الخ.
قد يدعي الحزب تناولاً عقلانياً لهذه المسألة. فالسلاح والمقاومة معدّان لمواجهة عدو مغتصب غاشم، يعتمد بدوره على التقنية والسلاح لا على شجاعة المقاتلين ورغبتهم في الموت. لذا لم يكن بد من مواجهته بسلاحه والتفوق عليه بفضل الايمان العجائبي المقرون بأسباب النصر التقنية.
إلا أن ختام الخطب بالاشارة إلى المهدي وإلى المعجزات التي ظهرت في حرب 2006، والاحتفاء الانتصاري التهليلي بإطلاق صاروخ ضد البارجة الاسرائيلية، يشيران إلى أن حقيقة الأمر ليست اعداداً عقلانياً بل افتتان سحري بالتقنية العسكرية. تتبدى حينها حقيقة ان عقلية "حزب الله" منتج لبناني خالص. فالمستوى الظاهري العقلاني للمناقشة والمستوى الثقافي اللبناني يجبران الحزب على المزايدة في هذا المظهر، إلا أن حقيقة استبعاد الطائفة الشيعية طويلاً عن متن هذه الثقافة المدينية، التي بات عدد من المثقفين المولودين شيعة أفضل عناصرها اليوم، يظل واضحاً في افتتان الفئات الشيعية التي لم تدخلها بالمعاني السحرية للعالم الحديث، وبخاصة لارتكاز القوة العسكرية فيه على التقنية. إلا أن عشق التقنية انما هو إفقار للكائن الحي ولتجربته، وتقديم للموات المعدني السحري عليه قيمة وفتنة ومغزى. أليس من الغريب ان تختفي كل أسلحة "حزب الله" في خنادق ومخازن وسراديب سرية، في حين يمتنع الحزب الذي يحفر أرض البلد من دون هوادة عن إنشاء ملجأ واحد لأهالي القرى المهددة؟
لا محل للناس في رزقهم وعيشهم وموتهم في حسابات الحزب لأنه تائه بين فكَّي سحرين خطيرين مفترسين، التقنية من جهة أولى كما أسلفنا، والزمن الالهي حين يحل حاضراً في ثنايا حياتنا من جهة ثانية.
الزمن الالهي الحاضر
يشهر "حزب الله" طيلة الوقت، وبفضل اسمه أولاً وخطبه، الله طرفاً في حاضره. فهو، أي الحزب، انما يعمل لأجله وبفضله، والدعم، كما النصر، إلهي حقاً، وهو ما يتجسد في كل خطوة يخطوها الحزب وأبطاله وأنصاره، أشرف الناس، كما أن المال الذي ينفقه هو المال الطاهر، في إحالة أخرى على المستوى الديني للخطاب.
زمن الله في المفهوم الاسلامي أزلي أبدي، أي سرمدي منفصل عن الزمن البشري. إلا أن "حزب الله" لا يفتأ يستدرج هذا الزمن ليدخله في نسيج نشاطاته ومعاركه وانتصاراته. فالحزب، منذ انشائه، بل من قبل، حين أرهصت به الثورة الخمينية المباركة، لا يحيا إلا على وقع الانتصارات الالهية والهزائم المحيقة بالشياطين، على اختلاف احجامها. بل ان مجرد انشاء الحزب كان هزيمة لأعداء الله. اما سبب التمهل قبل محق اسرائيل عن الوجود فهو، على ما أوضح حليفه المستجد، امهالها لتعيد اللاجئين والأراضي والحقوق وتحلّ نفسها قبل أن يحق عليها العذاب.
الحزب يعيش في زمن الطوبى والغبطة والنعمة، إن شئنا استعارة ألفاظ مسيحية. انه زمن الله حين يخترق نسيج ثوانينا ولحظاتنا. الدعاء للمهدي بقرب الفرج والخروج لا يخفي حقيقة إن الثورة الخمينية، ومن ثم "حزب الله" في لبنان، قلبا انتظار المهدي إلى قبضات ولكمات موجهة إلى من يرفض هذا الانتظار. وما الحاجة إلى انتظاره ما دام النصر "الالهي" على اسرائيل لم ينتظره؟ أم أن علينا فعلاً ان نقتنع أن تدمير أحمدي نجاد للاقتصاد الإيراني يعجّل في ظهور المهدي؟
تدمير الأمل
طبيعة حلول الزمن الالهي في الزمن البشري تجعل الحاضر بالغ الخطورة. ذلك أن مثل هذا الأمر ينفي عن حاضر الناس حقّه في التشظي إلى أزمنة مختلفة ومتفاوتة وشخصية، ويفرض على الجميع الاحتكام إلى معيار واحد أحد. في مثل هذه اللحظات، على المرء أن يختار معسكره، فإما أن يكون مع المسيح الكذاب، وإما مع المسيح الأصلي. إما أن تكون له الحياة الأبدية وإما له الجحيم، وقد آن أوان الخيار، والمعركة الكبرى قائمة.
غير أن مثل هذا الأمر يتجاوز نفي حق الآخر في الاختلاف، وحتى في عدم الخيار. فيصل أيضاً إلى نفي الأمل وتدميره.
فالطوبى والديموقراطية والمدن الفاضلة وحقوق الإنسان وما شاكل ذلك من أحلام تقوم على وجود المسافة بيننا وبين زمن تحققها الذي يبتعد بقدر ما نقترب منه. في هذه المسافة يكمن الأمل، ويكمن مفعول هذه الأحلام محفزة على تغيير الواقع ومنارة للطريق التي لا تنتهي إلى غاية تتجاوز الطريق نفسه. إلا أن تكرار التصريح بالنصر الالهي الحالّ، واعلان العيش في زمن الطوبى، لا في السعي إلى التقدم، يبطل هذا العمل وفعل الأمل عبر ادعائه إلغاء هذه المسافة التي تنادي إلى قطعها وتقصيرها دون نهاية. لا يعدو ذلك كونه اليأس نفسه معكوساً: زعم قطع ما لا ينتهي محل اليأس منه والوقوف على أعتابه. ليس ذلك أملاً، بل هو هوية الموت عينها. الحل النهائي الآن.
هوية الموت
لا يطرح "حزب الله" على نفسه سؤال الهوية ولا أسئلة المستقبل. فتعريفه يتم بنسبته إلى فكرة خمينية عن قيادة الأمة، ووجوده في لبنان يمنح جنسية هذا الأخير من دون أن يدفعه إلى مساءلة معنى لبنان كوطن، وإن لم ينكر عليه هذه الصفة جرياً على عادة القومجيين. فالحزب متسامح مع لبنانية لا تعني له شيئاً محدداً، ومتشدد في ما يخص إيران بوصفها مقر الولي الفقيه ودولته ومحجة اتباعه وقبلتهم في غير صلاتهم. ويمتاز الحزب بعدم استخدام اللغة الأصولية السنية عن الفسطاطين أو الدارين، وليس في أدبياته ما يعتبر أرضاً مقدسة، غير الحرمين وثالثهما. أما الانتماء إلى القرى والبلدات الجنوبية المنكوبة فيبدو ديكوراً ثانوياً لدى حزب نشأ أساساً ما بين بعلبك والضاحية الجنوبية لبيروت.
لا ينتمي الحزب إلى أرضٍ، وان كان شهداؤه وهم شهداؤنا جميعاً فيها يدفنون. ولا هو ينتمي إلى معنى ولا إلى تاريخ غير التاريخ الأسطوري الديني. بل يعلن جهاراً انتماءه إلى فكرة واتباعه الى ولي واحد. الحزب مرتاح إلى هويته المبسطة هذه، قدر ارتياحه إلى زمنه الالهي، فهو متماهٍ معها من دون فائض عنها يدفعه إلى التساؤل والقلق. غير أن الموت ربما كان تعريفاً لحظة تماهي الكائن مع هويته، وغياب انتفاضته ضد ظلم حدها له ونفيها حراكه وفيضه عنها.
الانتخابات ليست استفتاء على السلاح
لحسن الحظ، لا يستطيع الحزب، على رغم أسره السياسي والاجتماعي لطائفة كاملة، فرض هوية الموت هذه عليها. إلا ان التكاليف التي ستترتب في المستقبل على الحزب وعلى الطائفة الشيعية ستكون بالغة الخطورة. فانتشاء الطائفة بقوة حزبها موقت في طبيعة الحال، قبل أن يتحول إلى أنين من وطأة ثقل سلاحه عليها نفسها. كما أن الحزب بالغ في التشدد والتصلب الايديولوجي، وفي النمو العسكري والسياسي، على رغم دعوات الكثيرين له (بما في ذلك على صفحات "الملحق" قبل نهاية حرب تموز 2006، ولكن من يقرأ غير اعلامه الخاص؟) إلى التواضع ودعم الدولة اللبنانية في مقابل احتضان اللبنانيين جميعاً له. ومن نتائج هذه المبالغة ان حجم الحزب الحالي وسطوته باتا يدفعان إلى التساؤل عما اذا كان حل مسألة استيعاب سلاحه من جانب الدولة اللبنانية، وليس نزعه كما قد يفعل محتل أجنبي بمهزوم، لا يزال ممكناً قبل وقوع حرب، داخلية أو خارجية، عليه.
استيعاب هذا السلاح ضمن الجيش اللبناني هو ما نرجوه سريعاً، وإن لم تكن من امارات على ذلك إلى الآن. الانتخابات التشريعية المقبلة لن تحل هذه المعضلة الأساسية. لا يعني ذلك أنها ليست انتخابات مفصلية، بل ببساطة انها ليست استفتاء على سلاح الحزب، كما رأى البعض. على الانتخابات المقبلة، التي بدأت حملاتها مبكراً، أن تكون نموذجاً ومرآة لقدرة الحراك الاجتماعي على طرح رؤى جديدة تخترق معاقل الزعامات الطائفية المسوّرة بالخوف والعداء والاستعلاء. يراهن الكثيرون على حسم "شرعية السلاح" من خلال الطائفة المارونية، بسبب من تفتتها. إلا أن من السخف المراهنة على فارق بضعة مئات من الأصوات لحسم مثل هذه القضية الركن في مستقبل البلاد. إلا أن الحسم الفعلي لن يأتي قبل أن يصبح الجميع، وفي مقدمتهم الطائفتان الشيعية والسنية، في مثل هذا "التفتت" ولكن عافية وتعدداً، وليس اجتراراً لماضٍ مغامر ومقيت. الأمل هو ان نرى تبلور الأطروحات الجديدة، لدى كل التيارات بما فيها تلك الملزمة بسبب قانون الانتخاب على التعبير الطائفي عن نفسها، وهي أطروحات ربما نقطف جناها بعد سنوات أخرى.
أياً تكن النتيجة، لن يستمد "حزب الله" شرعية سلاحه من الانتخابات، ولن يتم تعديل اتفاق الطائف وهو صريح في هذا الشأن. السؤال الفعلي هو عن القدرة على مواجهة الفتنة بالسلاح وموت الأمل والتماهي مع الهوية الأحادية الميتة التي يسعى إلى نشرها، وذلك من خلال تأكيد حيوية المجتمع، ككل لا تنبغي تجزئته بل الاعتراف بثراء تعدده على أسس تتجاوز المعتقد الطائفي، ومن خلال الاصرار على الاحتكام المستمر إلى السياسة والقانون بما هما فن الممكن وحكم العقل والتأقلم مع متغيرات الحاضر ¶
"النهار"




















