جاء اجتماع تسعة من وزراء الخارجية العرب بأبو ظبي يوم الثلاثاء الماضي، مفاجئاً ومعبراً في الوقت نفسه عن الهموم التي تشغل العرب هذه الأيام.
فقد جاءت على مشارف الاجتماع أخبار اطلاق ايران قمراً صناعياً بواسطة صاروخ الى مدار الارض واستمرار الحملات في الإعلام الايراني على دولة الامارات بحجة "اضطهادها" للمواطنين الايرانيين الذين يمرون بمطار دبي. ومن طهران دأب خالد مشعل منذ وصوله الى ايران قبل اسبوع على التبشير في وسائل الإعلام باستمرار الحرب حتى تحرير فلسطين. وقبل يومين قال محمد نزال انه لا يستطيع الموافقة على تثبيت التهدئة بتاريخ 5/2/2009 كما تريد مصر بعد الاتفاق من جانب الاسرائيليين ومن جانب حماس (بتوسط مصر) على كل النقاط! واذا تأملنا هذه "الظواهر والمظاهر" في ضوء المؤتمر الصحفي الاخير للأمين العام لحزب الله والذي اثار فيه عدة مسائل قديمة وجديدة تمدد التوتر والتوتير يتبين ان "الحملة" من اجل نشر اجواء الحرب ما تزال مستمرة ولها مقصدان: ولا استمرار في استنزاف الجهود العربية والدولية لحماية الشعب الفلسطيني واحراج العرب وابتزازهم والاثبات للرئيس الاميركي الجديد ان ايران تملك كل الأوراق الضرورية لفرض وجهة نظرها في سائر المسائل اذا جرى التفاوض او لم يجر بين الطرفين.
والواقع ان اطلاق القمر الصناعي الايراني بواسطة صاروخ محلي الصنع اثار قلق الأوروبيين والروس الى حد كبير. وغير وجهة نظر ادارة اوباما في التفاوض المنفرد مع ايران. فالأوروبيون والروس يطالبون الآن بان يجري التفاوض مع ايران كما كان عليه الأمر حتى الان بواسطة السداسية والتي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول اوروبا بمجلس الامن بالاضافة الى المانيا. وكانت الولايات المتحدة تفكر بان تجعل التفاوض مع ايران على مسارين: مسار الملف النووي وتشارك فيه الولايات المتحدة مع السداسية ومسار العلاقات الثنائية وتنفرد فيه الولايات المتحدة مع ايران. بيد ان اطلاق القمر الصناعي الغريب انه ازعج الأوروبيين والروس ودفع باتجاه تقديم عمل السداسية لاتصاله المباشر بالامن الاوروبي والعالمي.
ان هذا الامر المتعلق بالقوة الصاروخية لايران يثير قلقاً في الخليج. بيد ان القلق الاكبر يتعلق بالجاري الآن في فلسطين ومن حولها. فايران تصرح ومعها حماس ان المسار ينبغي ان يكون باتجاه المواجهة من طريق المقاومة لحين تحرير فلسطين، ووسيلتها لذلك حماس وحزب الله والجهاد الاسلامي والتنظيمات المشابهة ولأن هذا الهدف المعلن لا يرقى الى افق مشروع فانه يرتد الى الذات مباشرة، اي احداث القلاقل بالداخل العربي. وهذا امر كتمته ايران حين شنت مع حلفائها الثوريين هجمات على السعودية ومصر والان دولة الامارات. وتركز الهجوم على مصر في قصة معبر رفح كأنما لاعلاقة لمصر بفلسطين الا في معبر رفح، وكأنما لا يحول دون تحرير فلسطين غير معبر رفخ، تماماً مثلما كان الامين العام لحزب الله يقول/ لا نريد منكم ان تساعدونا، انما لا تتآمروا علينا وفي النهاية ما حال دون اقتحام الحزب الكيان الصهيوني غير التأمر (!) لذا كان لا بد من التشاور بشأن تثبيت التهدئة في غزة، والصين باتجاه المصالحة الفلسطينية / الفلسطينية/ اذا كانت حماس تستطيع اتخاذ هذا القرار او لا بد من قول ذلك علناً، وبشأن حماس وبشأن التدخل الايراني لنشر الانشقاقات كأنما لا يتحقق التحرير الا بالانشقاق والشرذمة!
ويبقى الامر الاساسي في تأمين الشعب الفلسطيني والمضي باتجاه التسوية التي تضع دولة فلسطينية مستقلة يمارس فيها الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وعودة اللاجئين وهذا الامر لا تتهدده المشروعات الخيالية الثورية وحسب بل تتهدده بالدرجة الاولى موجات التطرف الاسرائيلي المتصاعدة، والتي قد تجد مصداقاً لها في الانتخابات الاسرائيلية يوم الثلاثاء القادم في 10/2/2009 ولذلك لا بد من وضع آليات لمبادرة السلام العربية واستقبال جورج ميتشل مبعوث الرئيس الاميركي بها والضغط على المجتمع الدولي للسير في القرارات الدولية بدون تأخير بعد ضياع ست أو سبع سنوات في الاعراض الدولي والهجمات الاسرائيلية والانقسامات الفلسطينية والعربية.
وهكذا تتكاثف على الامة العربية عدة اخطار اهمها عدم الوصول الى حل مرض لقضية فلسطين. وتحول هذا العجز الى انشقاقات وفوضى وتطرف بالداخل العربي، ووجود استغلالات اقليمية ودولية لهذا الواقع. انما الواعد وسط هذا الظلام المتكاثف ظهور التنبه الى الاخطار، ومحاولة التصدي لها وهذا هو المعنى الباقي والمتنامي للقاء وزراء الخارجية العرب بابو ظبي، والإعداد لكي تكون قمة الدوحة العربية في اواخر الشهر المقبل، قمة للوصول الى اجماع عربي بشأن الملفات الكبرى التي تشغلنا جميعاً.




















