أهم ما أحدثته مجزرة غزة على الصعيدين السياسي والإنساني، أنها كشفت مجدداً سلوك الجيل الجديد من قادة الأحزاب الاسرائيلية، وأظهرتهم في دور زعماء العصابات الذين افتعلوا «مجزرة دير ياسين» خلال حرب 1948.
وقد أدى في حينه السكوت عن تلك المجزرة المروعة، الى مهاجمة قرى فلسطينية عدة، وإحراق منازلها وقتل سكانها، خصوصاً بعدما تدخل بن غوريون لإصدار عفو خاص عن المذنبين من أمثال قائد كتيبة «الهاغانا» شموئيل لاجيس، الذي واجه محاكمة شكلية عقب مصرع 75 فلاحاً احتموا داخل جامع القرية. وبفضل نفوذ بن غوريون حظي شموئيل بعفو ومنحة ساعدته على إكمال دراسة المحاماة. وفي أواخر سنة 1970 عيّن مديراً للوكالة اليهودية، أي الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية. ولما أثارت الصحف ماضيه الملوث بالدم، تدخل الحاخامات لإصدار فتوى بصوابية سلوكه.
وفي كتابه عن «التنظيف العرقي في فلسطين»، عدد الباحث ألن باتيه أسماء 335 قرية ألغيت عن الخريطة بهدف إبعاد الوجود الفلسطيني عن المساحات المحيطة بالقدس الكبرى. علماً بأن انسحاب ارييل شارون من قطاع غزة كان يرمي الى تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية المزمع انشاؤها. كما يرمي الى مساعدة مليون ونصف المليون من السكان، على تأسيس كيان مستقل منفتح على مصر جنوباً وعلى البحر غرباً. ولكن «حماس» خيّبت أمل المراهنين على هذا الخيار بدليل انها طردت السلطة المعنية بتطبيق اتفاق أوسلو، ودعت الى طرد اسرائيل من كل أرض فلسطين.
وعلى رغم موقفها المتصلب، فإن توني بلير، يعتبر «حماس» عنصراً أساسياً لإنجاز سلام الشرق الأوسط. وتحدث هذا الاسبوع باسم الرباعية، الى صحيفة «التايمز» ليكرر وجهة نظره بشأن إشراك «حماس» في المفاوضات والامتناع عن عزلها. وقال إنه ابلغ المبعوث الأميركي جورج ميتشل بهذا الأمر، في محاولة لتغيير الموقف الرسمي الأميركي.
يقول المعلقون الاسرائيليون إن القيادات السياسية والعسكرية لم تعد مهتمة بوقائع الحرب قدر اهتمامها بالنتائج السلبية التي خلّفتها فظاعات القصف الأعمى. وهي حريصة على منع تجريمها بارتكاب جرائم حرب، خصوصاً أن الدمار الذي ألحقته الطائرات والدبابات وقنابل الفوسفور الأبيض، أعطى حجة اضافية للشكاوى المقدمة من «المركز الفلسطيني لحقوق الانسان» وكان هذا المركز قد اتهم اسرائيل سنة 2002 بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، ثم أحال الشكوى الى المحكمة الوطنية في مدريد. والسبب أن القاضي فرناندو اندرو يستند الى مبدأ الصلاحية الدولية في ملاحقة جرائم الإبادة والجرائم ضد الانسانية التي يعترف به القضاء الاسباني. كذلك أكدت الناطقة باسم وزارة العدل الألمانية ايفا شميرر وجود قانون للعقوبات ضد جرائم الحرب اعتمدته محكمة نورمبرغ سنة 1946.
الملف الذي تقدم به «المركز الفلسطيني لحقوق الانسان»، يضم سلسلة ارتكابات تبدأ بأحداث سنة 2002 يوم ألقت طائرة «اف – 16» قنبلة زنتها طن أدت الى مقتل صلاح شحادة وزوجته وأولاده الثمانية ومدنيين. وتناول التحقيق ستة من كبار المسؤولين الاسرائيليين بينهم وزير الدفاع السابق بنيامين بن اليعازر ورئيس هيئة الأركان موشيه يعالون ووزير الأمن الداخلي أفي ديختر. ولما بلغ الأمر هذا الحد من الخطورة، حذرت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني نظيرها الاسباني ميغيل أنخيل من تأثير نتائج هذه المحاكمة على العلاقات الثنائية. ويبدو أنها لم تجد الجواب المرضي بدليل أن حكومة أولمرت شكلت لجنة للتحقيق في الاتهامات. وهذا ما تزمع الحكومة على فعله حالياً بعدما نصحتها سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة سوزان رايس بضرورة استباق التطورات لأن الدول الأوروبية بدأت تميل الى إحالة الشكاوى الى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب، أي محكمة «لاهاي».
سكوت الرئيس الفرنسي ساركوزي ووزير خارجيته برنار كوشنير، عن الانتهاكات الاسرائيلية في غزة، أثار استنكار الجالية العربية (6 ملايين نسمة) الأمر الذي أقلق الجالية اليهودية (600 ألف نسمة). والجاليتان تعتبران الأكثر عدداً بين عرب ويهود دول التحالف الأوروبي، وقد ظهر أول رد فعل على مجزرة غزة عن طريق إلقاء قنبلة حارقة على كنيس يقع في مركز جالية مناحيم في باريس، وعقب اعلان وقف اطلاق النار أصدرت الحكومة الفرنسية بياناً ذكرت فيه ان العاصمة والمدن الأخرى شهدت 60 حادث اعتداء على مؤسسات يهودية. وكان من نتيجة ذلك ان عززت وزارة الداخلية قوات الحراسة خوفاً من تنامي شعور الكراهية بين الجاليتين. وقد عبر الحاخام شنيور لوبكي عن مخاوفه من بعث روحية التمييز العنصري والعداء للسامية في وطن انتج في الماضي «قضية الضابط دريفوس».
ويبدو ان الحكومة الفرنسية كانت منحازة لاسرائيل أثناء تعاملها مع الجالية العربية بدليل أنها حطمت خيمة التعاون مع الشعب الفلسطيني في ساحة ستالينغراد في باريس، في حين سمحت لمنظمة «مفدال» اليهودية بإقامة احتفال تضامني مع الوحدة العسكرية الاسرائيلية التي طوقت غزة.
ولكن القلق الحقيقي الذي واجهته المنظمة الصهيونية خارج فرنسا كان مصدره الولايات المتحدة والمانيا، وهما دولتان مركزيتان بالنسبة الى الاعلام اليهودي الذي يستند الى الأولى في دعمه المادي والعسكري والوجودي… وإلى الثانية في عمليات تسويق حكايات الإبادة الجماعية وما انتجته من صناعة ابتزاز وتجارة المظلومية.
ففي الفترة التي أعقبت انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2001 – 2002) صدرت في الولايات المتحدة، مجموعة مؤلفات لا تقل أهمية وتأثيراً عن الكتاب الذي أصدره في الثمانينات المعارض اليساري اسرائيل شاحاك بعنوان: «التاريخ اليهودي». وقد ظهرت هذه الكتب في واجهات المكتبات العامة بعد صدور كتاب الرئيس السابق جيمي كارتر وعنوانه: «فلسطين… سلام لا دولة تمييز عنصري (أبارتيد)». ويستخلص من مضمون كتاب كارتر، ان الرئيس الذي ساعد على تحقيق اتفاقية كامب ديفيد يعرب عن أسفه لتحول اسرائيل الى مجتمع عنصري يعيش داخل جدار الفصل كما عاش في «الغيتوات» سابقاً. واعترف أنه لم يتجرأ على انتقاد اسرائيل – مثله مثل غيره من السياسيين – خوفاً من انتقام اللوبي اليهودي الذي يتحكم بمصير الكونغرس ومجلس النواب.
كتاب «أنبياء منبوذون» سجل في الولايات المتحدة رقماً قياسياً من حيث التوزيع أو من حيث التأثير الإعلامي. ويضم هذا الكتاب مراجع موثقة لعدد من مشاهير اليهود انتقدوا الصهيونية بشدة. كما انتقد بعضهم استغلال اللاسامية بطريقة جلبت كره العالم العربي الذي دفع ثمن المظالم النازية من دون أي ذنب. ويحتوي الكتاب على رسائل ومساجلات ومقالات كتبت خلال المئة سنة الماضية، بينها اسماء اسحق دوتشر ودانيال لازار واسحق ابنشتاين وسيغموند فرويد والبرت انشتاين وليون تروتسكي وابراهام ليون ويوري افنيري ونعوم تشومسكي ويهودي مناهيم.
ومن المؤكد ان انتقاد المثقفين اليهود لاسرائيل يقلقها أكثر من انتقاد الأقلام الغربية التي تصنف عادة في خانة اللاسامية.
ومن الواضح أن مجزرة غزة قد أعطت الألمان الحجة الدامغة للقول إن المضطهد يقلد مضطهده، وبأن اليهود الذين استثمروا الهولوكست من أجل تبرير طرد الفلسطينيين واحتلال أرضهم، يمارسون أبشع أساليب القهر والتنكيل. ولقد عبر زعماء اسرائيل في كثير من المناسبات عن تخوفهم من انبعاث الحركة النازية في أشكال مختلفة ووسائل مناهضة لفكرة الضحية. والمثل على ذلك الحملة القاسية التي شنت في أوروبا ضد فيلم «السقوط». أي الفيلم الذي يلعب فيه برونو غانز دور هتلر في آخر أيامه داخل المخبأ حيث انتحر مع عشيقته ايفا براون. وبما أن الفيلم أعطى لمحة إنسانية عن هتلر ولو في ساعاته الأخيرة، فقد تصدى له الإعلام اليهودي ومنع عرضه في العديد من الصالات.
ويستدل من سلسلة الكتب التي نُشرت والأفلام التي اُنتجت، أن الآلة الإعلامية اليهودية دخلت في حرب سرية مع النازيين الجدد في المانيا. ذلك أنها أعادت إنتاج قصة آن فرانك مدعية أنها تعرضت للخيانة عندما كانت تكتب مذكراتها في امستردام مختبئة وراء خزانة مثبتة إلى الجدار. ثم انتقلت لتسوق قصة يعود عمرها إلى الأربعينات، هي قصة أسير يهودي في معتقل «اوشوتز» يدعى توماس برغنتال. وللدلالة على حاجة إسرائيل إلى شهود جدد، اضطرت إلى إعادة طباعة كتب ستيفن زفيغ، الكاتب اليهودي الذي انتحر سنة 1942، وانتقت من مؤلفاته كتاباً ارتبطت أحداثه ببروز الديكتاتورية النازية (عاملة البريد) لإثارة المخاوف من ظهور النزعة النازية. كذلك دفعت إلى دور السينما فيلماً جديداً يروي حكاية ثلاثة أشقاء يهود قاوموا النازية في بيلاروسيا سنة 1941. كما استخدم اسم الممثل توم كروز في فيلم «ووكيري» لكونه يشبه الضابط الذي حاول اغتيال هتلر. لكن معارضي هذا التيار الإعلامي انتجوا فيلماً مرشحاً لنيل جوائز عدة يدعى «القارئ». وفي النهاية يخرج المشاهد بانطباع يبرر فيه لكل المانية والماني، الانخراط في حزب يمثل القانون والنظام.
هذا غيض من فيض، حول الحرب الإعلامية الدائرة لاسترداد عطف الألمان على إسرائيل، ومنع الشعب الألماني من الانزلاق مرة ثانية إلى هوة الاستبداد والتطرف العنصري. ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، الأمر الذي اضطر المستشارة انغيلا ميركل إلى استنفار البابا الألماني الأصل بينيدكتوس السادس عشر، وحثه على التدخل في موضوع إنكار المحرقة النازية. وكان الاسقف ريتشارد وليامسون قد اثار ضجة كبرى بإعلان انكاره لحجم المحرقة النازية، وقال إن غرف الغاز لم تكن موجودة، وان ضحايا المعتقلات النازية لا يزيد عددها عن 300 ألف نسمة.
تقول مصادر الفاتيكان إن الجرائم الإسرائيلية التي اُرتكبت في قطاع غزة، قد شجعت أعداء دولة اليهود على إعلان استنكارهم واحتجاجهم، وإنما بصورة غير مباشرة. ويسعى زعماء الحركة الصهيونية في مختلف دول الاتحاد الأوروبي إلى احتواء النزعة المعادية لإسرائيل قبل أن تتحول إلى مدّ متطرف يحارب الشوفينية اليهودية واللاسامية. ومن المؤكد أن حال العداء المتواصل لدول الجوار، والحروب المتواصلة التي خاضتها إسرائيل ضد الانتفاضات الثلاث وضد «حزب الله» و «حماس» و«الجهاد الإسلامي» قد شجعت المستوطنين الجدد على العودة إلى الولايات المتحدة وكندا وروسيا. وفي التحقيق الذي أجراه الزميل رائد جبر من موسكو، وقائع تثبت أن الهجرة العكسية قد تزايدت لأسباب اقتصادية وأمنية، وهي مرشحة لأن تتضاعف في حال نجح «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» في تمرير الاتهامات إلى المحكمة الجنائية العالمية. ومن المؤكد أن عبور هذه العتبة القانونية سيمهد الطريق لإعادة تعويم القرار الذي صدر أثناء ولاية أمين عام الأمم المتحدة كورت فالدهايم سنة 1975… ثم ألغي اثناء ولاية خافير دوكويار سنة 1991.
* كاتب وصحافي لبناني
"الحياة"



















