في الصين جرى الأمر على خلاف كل العالم. فقد سارع الأكثرون في الشرق والغرب للترحيب بباراك أوباما، والاستبشار بعهد جديد في القيادة الأميركية. أما الصين فقد صمتت طويلاً عن الحدث، وبعد احتفال التنصيب، بدأت الصحف والاذاعات المملوكة من الحكومة تهاجم أوباما وادارته الجديدة.
وهذا يدل على ان الحماس الذي استقبل به الأوروبيون اوباما وإدارته لن يتكرر في الصين. أو على الاقل لن يتكرر من جانب القيادة الشيوعية فيها، بل على العكس من ذلك، فان قيادة اوباما الليبرالية تستثير مخاوف الصين، وسوف يظهر التوتر في شتى وجوه العلاقة بين البلدين!
وفي الافتتاحية الرسمية الصحيحة "تشاينا دايلي" الانكليزية يوم 22/1/2009، وهي قناة اعتادت الدوائر الصينية على ارسال رسائل فيها الى العالم الغربي، نجد نقداً قاسياً لأوباما، خرجت فيه القيادة الصينية عن طورها في الحرص على عدم المواجهة في الولايات المتحدة في السنوات الماضية. وقد بدأت الافتتاحية بالهجوم على سياسات القوة التي اتبعها الرئيس بوش. ثم استدارت لأوباما لتقول ان السياسيين الأميركيين ما كانوا خجولين ابدا في الاعلان عن طموحات وأطماع بلادهم. وقد تحدث أوباما بحماس عن الدفاع عن مصالح اميركا، وهذا يعني في نظر الصحيفة، ان تلك المصالح ان جرى دفعها الى الامام، فانها ستتناقض مع مصالح الأمم الأخرى.
وهذه اللهجة في افتتاحيات الصحيفة الرسمية، وبخاصة تجاه الولايات المتحدة، لا ينبغي الاستخفاف بها، لأنها ليست فريدة. فمن دراسة اكثر من 100 مقالة من جانب الاساتذة والخبراء في اكاديمية الصين للعلوم، تظهر مخاوف كثيرة من الولايات المتحدة في الحاضر والمستقبل. فمن بين كل 4 من 5 مقالات عن النظام الأميركي، وفهم طرائق عمله، هناك حديث عن كيفية مواجهة الأطماع الأميركية والقوة الأميركية. ولذلك يكون علينا ان نفهم افتتاحية "التشاينا دايلي" في هذا السياق.
ان احد ابعاد هذا الانطباع ينصب على التأملات الواقعية للصين تجاه النظام الدولي. فتوزع القوى في العالم هو الذي سيحدد مواطن النزاعات وتطوراتها. والذي تراه الصين ان التنافس بينها وبين الولايات المتحدة هو الذي سوف يحدد المجريات الاستراتيجية للأمور. والصين ترى ان التوتر بين البلدين يمكن تخفيضه او ادارته واستيعابه، لكن لا يمكن ازالته؛ وبخاصة اذا كان ذلك بين القوى المستقرة، والأخرى النامية او الصاعدة، فالولايات المتحدة مشغولة الآن بحربين، وبالضعف الاقتصادي، لكنها لا تلبث ان تستدير للاهتمام بالشرق الأقصى. وبعبارة لأحد الخبراء في الصين، فان الحربة الأميركية سوف تستدير وتتوجه نحو الصين. والأمر الآخر الذي يراه الخبراء ان الولايات المتحدة قطب فريد في قوته. وهو لن ينفك عن محاولة زيادة قدراته من جهة ونشر قيمه الديموقراطية من جهة ثانية. وهذا الأمر شديد الاقلاق للقادة الصينيين، اذ انهم يرون ان اميركا لن تقبل للصين بدور اكبر من جهة، كما لن تعتبر نظامها نظاما مقبولا ما دام الشيوعيون في ذروته. ومع ان "جامعة الديموقراطيات" التي دعا اليها جون ماكين ما قامت من الناحية الشكلية؛ لكن الصين ترى ان تلك الجامعة قائمة بالفعل، من خلال التحالفات العسكرية مع بعض القوى بالشرق الأقصى، ثم ان الصين تخشى الديموقراطية الاميركية لأن تداول السلطة في الديموقراطية يحدث بطرائق مفاجئة، بحيث يقضي على السياسات الطويلة الامد. وهذا هو الامر المزعج لدى الصين في اوباما.
وترى بكين ان الرئيس بوش اتبع سياسة خارجية طموحة زادها ازعاجاً استخدام القوة العسكرية، وهو في محاولته لمد السيطرة الأميركية، وحربه على الارهاب، فتح المجال واسعاً للصين للتحرك والحصول على نجاحات خارجية، فقد التهت الولايات المتحدة بالحروب فاندفعت الصين للحصول على مناطق نفوذ قوية وشاسعة في آسيا. اساءت الولايات المتحدة الى العلاقات مع حلفائها، فبرزت الصين باعتبارها قوة أسيوية وحيدة، وفريدة. ويختلف الأمر مع الرئيس أوباما، اذ انه سيحتفظ بالهدف الأميركي في مد السيطرة والنفوذ انما بدون حروب، وهذا امر ليس في صالح الصين، وقد يعيد الجاذبية الأميركية. وهناك خبراء صينيون يعتبرون ان اوباما يفهم سر قوة اميركا اكثر من بوش، ولذلك ستكون حروبه حروب افكار وسلوك وشرعية ديموقراطية، انها القوة الناعمة هي التي سوف تستخدم. وقد حاول بعض خبراء أكاديمية العلوم ان يقرأوا التاريخ الأميركي الحديث، وكيف تكون اميركا جذابة عندما يظهر فيها رؤساء كاريزماتيون مثل كنيدي وريغن والآن أوباما.
وباختصار، ان الصين تخشى اوباما لخشيتها من امكان عودة الجاذبية الاميركية في العالم ومنه آسيا بالطبع. فقد تحدث أوباما في خطاب توليه عن الحرية في مواجهة الطغيان. وقد عنى ذلك من قبل الاتحاد السوفياتي. أما الآن فهو لا يعني غير الصين. ولذا فإن هذه الرسالة ليست هي الملائمة لها، والتي كانت تريد سماعها من رئيس اميركي جديد.
("هيرالد تريبيون"، 4/2/2009)




















