يشكل الفوز الذي حققته تسيبي ليفني على بنيامين نتنياهو في الانتخابات الأخيرة على الرغم من الفارق الضئيل بينهما علامة فارقة في تاريخ الحياة السياسية في اسرائيل. وهذا ليس بسبب الوضع المعقد الناشىء عن هذا الفوز (حزب الوسط "كاديما" يملك العدد الأكبر من مقاعد الكنيست ولكن كتلة أحزاب اليمين هي التي لها الغالبية) وانما بسبب الرسالة التي أراد الناخب الاسرائيلي ايصالها الى أكثر من طرف. فالاقتراع لمصلحة ليفني كان قبل كل شيء لشخصية سياسية مختلفة ومغايرة تشكل بديلاً من الشخصيات السياسية التقليدية في اسرائيل التي سبق لها أن فشلت في تولي رئاسة الحكومة سابقاً مثل بنيامين نتنياهو وإيهود باراك.
لقد خاضت ليفني حملة انتخابية ناجحة وفقاً للمعلقين الاسرائيليين استطاعت خلالها الوصول الى قلوب الناس لأنها تحدثت الى الجميع وتجاوزت كل الخطوط وقدمت نفسها كشخصية سياسية نظيفة وقادرة، وكصورة لزعامة نسوية من طراز جديد مغاير لنموذج غولدا مائير التي كانت توصف بـ"الرجل الوحيد في الحكومة". واستطاعت ليفني التغلب على التهجمات الشخصية كونها امرأة قليلة الخبرة والانتصار على كل أخصامها من الرجال الذين شككوا في قدراتها تولي قيادة الدولة. من هنا يمثل فوز ليفني هذه الرغبة الدفينة لدى الاسرائيليين في التغيير تشبه الحماسة التي دفعت بالأميركيين الى انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.
ولكن ليس من الأكيد ان تفوق "كاديما" على "الليكود" في الانتخابات يعني فوز الوسطية في اسرائيل على اليمين لأسباب عدة منها: ان التصويت لليفني جاء بصورة أساسية من جانب اليسار الاسرائيلي الذي شعر انها وحدها قادرة على هزم نتنياهو الذي أظهرت الاستطلاعات انه سيخرج منتصراً، وهكذا تحول مئات الآلاف من الاصوات من حزب "العمل" وحركة "ميريتس" اليسارية الى "كاديما". وانعكس هذا تراجعاً كبيراً في عدد المقاعد التي حصل عليها هذان الحزبان في الانتخابات.
من ناحية أخرى هزيمة اليسار في اسرائيل لم تأتِ ثمرة نجاحات حققها حزب الوسط خلال توليه السلطة في اسرائيل في الأعوام الثلاثة الماضية، وانما هو نتيجة مساره التراجعي وتخليه عن الايديولوجيا اليسارية التي كانت تميزه سواء في سياساته الأمنية أم الاجتماعية، وعجز زعاماته في مخاطبة الجمهور الجديد من الناخبين. لقد عبر هذا الجمهور عن استيائه الكبير من زعيم حزب "العمل"، وأراد أن يوجه لباراك ولنتنياهو صفعة مزدوجة فاختار ليفني. ولكن كي ينتصر الوسط في اسرائيل على اليمين الاسرائيلي العائد بقوة الى السلطة مع كتلة تحمل رموز التطرف القومي في اسرائيل هو بحاجة الى خطوة غير تقليدية. من هنا بدأت تبرز أصوات تطالب باندماج حزبي "العمل" و"كاديما" في حزب واحد يضم أكثر من 40 مقعداً في الكنيست يمكنه ان يلجم اليمين الاسرائيلي ويكبح حركته. وهذا أمر لا يمكن ان يحدث، وفق هؤلاء، الا اذا استطاعت قيادة حزب "العمل" التعالي عن المصالح السياسية الضيقة والذوبان في بوتقة حزب آخر سبق ان استقطب شخصيات كبيرة غادرته والتحقت بحزب الوسط الجديد مثل شمعون بيريس وحاييم رامون في الانتخابات الماضية.
وهنا يطرح السؤال هل الأحزاب التاريخية الكبيرة في اسرائيل بدأت تزول بعدما خسرت دورها وفقدت هويتها الحزبية تجاه أحزاب وسط جديدة مثل حزب "كاديما" او احزاب يمين قومي متطرف مثل "اسرائيل بيتنا"؟
على صعيد آخر تفوق ليفني على نتنياهو يجعل من حزب "كاديما" شريكاً أساسياً في اي تشكيلة حكومية مقبلة حتى لو لم يكلف بتشكيل الإئتلاف الجديد. وقد تشهد اسرائيل مرحلة جديدة قد تدفع برئيس الدولة شمعون بيريس بعد الاستشارات التي سيجريها مع الكتل بشأن من يرشح لتولي منصب رئاسة الحكومة الى صيغة المداورة بين "كاديما" و"الليكود" في تولي هذا المنصب وهي صيغة جرى تطبيقها في اواسط الثمانينات بعد تعادل "الليكود" و"العمل" في الانتخابات.
يبقى ان تيار الوسط بزعامة ليفني يحتاج الى برنامج عمل سياسي واضح وغير ملتبس من القضايا الأساسية لا سيما التسوية السلمية انسجاماً مع دعوتها ان الاقتراع لها هو اقتراع من اجل السلام.
رنده حيدر




















