فارس خشّان
يحاول "حزب الطاشناق" أن يرتدي في مقاربته لموقعه الإنتخابي ثوب الضحية. لسان حاله أن "تيار المستقبل" يضع يده على المقاعد الأرمنية، ولذلك هو يجد مكانه الطبيعي إلى جانب "المعارضة"، لاسترداد "الحق المسلوب".
ولكن ليس هناك سوى "حزب الطاشناق" مَن يؤكد صحة ما يقوله الناطقون بلسانه، ذلك أن المشكلة بين هذا الحزب وبين قوى الرابع عشر من آذار، تتعدى المقاعد النيابية كليا وتتمحور حول الموقع السياسي له.
وتدل التجربة اللبنانية، منذ العام 1992 أن "الطاشناق" يتموضع في المحور السوري بشكل كامل، ففي العام 1992 كان من ضمن لائحة الرئيس رشيد الصلح، ولكنه باستثناء الصلح، صوّت كليا للائحة الرئيس سليم الحص، وفي العام 1996 تحالف مع لائحة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكن أصواته ذهبت إلى خصوم عدة لهذه اللائحة يتقدمهم النائب السابق نجاح واكيم، وفي العام 2000 رفض الرئيس الحريري، بناء على السلوكية الإنتخابية السابقة وبناء على تموضعه الكلي إلى جانب لحود، التحالف مع الطاشناق، الذي ظهر في الثامن من آذار إلى جانب "قوى شكرا سوريا"، فكرست قوى الرابع عشر من آذار في العام 2005 المعادلة الأرمنية وفق نموذج العام 2000.
وحتى عشية انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، كان حزب الطاشناق يموّه تموضعه إلى جانب النظام السوري برفع لواء دائم مفاده أنه حزب رئيس الجمهورية، ولكنه قبيل اتفاق الدوحة وفي أثنائه وبعيده، قدّم كل ما يلزم من أدلة على أنه ليس سوى جزء من الثلث المعطل في لبنان، الأمر الذي شاء الرئيس السوري بشار الأسد ترسيخه بالأذهان، بحيث اجتمع، بناء على طلبه، مع وفد من حزب الطاشناق في لبنان، متجاهلا وجود فرع للحزب في سوريا.
وهذا التموضع السياسي لحزب الطاشناق، هو بيت القصيد في الإشكالية المطروحة راهنا، وليس توزع المقاعد الإنتخابية على الإطلاق.
ويطالب الحزب أن يتم توفير كتلة نيابية له مكوّنة من أربعة نواب على الأقل (إثنان في بيروت، واحد في المتن الشمالي ورابع في زحلة )، الأمر الذي يبدو مستحيلا، من دون تحالف إنتخابي، مع قوى الرابع عشر من آذار والمرشحين المستقلين، وفق توزيع القوى الراهن.
وفي اجتماعات عقدت بين ممثلين عن حزب الطاشناق وأحد أعمدة "الكتلة المستقلة"، تمّ عرض دراسة أظهرت أن حزب الطاشناق معرض لخسارة فادحة في المتن الشمالي، في حال تحالف المستقلون بقيادة النائب ميشال المر مع مرشحي قوى الرابع عشر من آذار، وكذلك الأمر في زحلة وفي دائرة بيروت الأولى، مع إحتمال مرور نائب واحد في دائرة بيروت الثانية، في حال بقي التفاهم الملحق بتسوية الدوحة قائما بين "تيار المستقبل" وبين "حزب الله"، حتى السابع من حزيران المقبل.
وبناء على هذه الحقائق، يسعى حزب "الطاشناق" إلى عقد تفاهمات إنتخابية لا تلزمه بإعادة تموضعه السياسي، بحيث يأخذ من الأصوات ولا يعطي في السياسة، الأمر الذي رفضه، حتى الآن، "تيار المستقبل" والنائب المر، كل من موقعه ومن منطلقاته.
"المستقبل" يريد تفاهما يترجم نفسه في السياسة والمر كذلك. بالنسبة لـ"المستقبل" دعم الطاشناق يفرض عليه أن يكون إلى جانب مجموعة من الثوابت الوطنية التي تقدم "لبنان أولاً"، فيما المر يدعو هذا الحزب ألأرمني العريق إلى أن يكون إلى جانب رئيس الجمهورية، الذي سيتعرض، في حال انتصرت قوى الثامن من آذار، لعملية "اقتلاع "من القصر الجمهوري، الأمر الذي ترجمه من دون أن يدري أحد أركان هذه القوى عندما طرح برنامجاً رئاسياً للإنتخابات النيابية بإطلاق وعد اللبنانيين بأنه في حال فوز "المعارضة "سيتم إنقاذ الأمن والإقتصاد، في غضون سنتين !
هل إعادة تموضع حزب الطاشناق ممكنة؟
حتى الساعة كل المؤشرات تبدو إيجابية في الشكل وسلبية في الأساس.
ففي الشكل جرى كلام على أن تكون كتلة الطاشناق كتلة مستقلة بذاتها، ولكن من دون تحديد وجهتها السياسية، فالكتلة الشعبية التي يترأسها الوزير الياس سكاف مستقلة بالشكل ولكنها غير ذلك بالمضمون.
وثمة من يكشف أنه قبل أيام حضر إلى لبنان الرئيس العالمي لحزب الطاشناق، وعلى جدول أعماله مناقشة هذا الموضوع الإنتخابي، على اعتبار أن الإتجاه السياسي للحزب لا يتقرر محليا فقط، نظرا لانعكاساته الإقليمية، حيث للحزب مصالح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي بدأت تمنح رجال الأعمال الأرمن جنسيات إيرانية، يحمل إحداها الرئيس العالمي المجددة ولايته في انتخابات جرت قبل أقل من سنة.
وتؤكد أوساط متنية معنية بهذا الملف أن لا عقدة لدى أحد في عدم التحالف مع الطاشناق إن لم يدخل تعديلات على "عقيدته" السياسية اللبنانية، بحيث يصبح قولاً وفعلاً، ما كان عليه طوال الزمن الإستقلالي، "حزب رئيس الجمهورية".
وتشير إلى أن حزب "الطاشناق" لا يستطيع أن يتحدث عن غبن يلحق بالتمثيل الأرمني في حال لم يقبل بالمعروض عليه، لأنه هو في الأساس، وعندما يستفيد من الإنقسام الحاد بين شركائه في الوطنية، يمارس ما يمكن اعتباره غبنا على شركائه في الوطنية، بحيث يرجح كفة مجموعة على مجموعة أخرى، وهذا ما حصل في العام 2000 والعام 2007على سبيل المثال في دائرة المتن الشمالي و في العام 2005 في دائرة زحلة.
وعلى هذا الأساس، فإن مكمن المشكلة مع حزب "الطاشناق" ليس مقعداً هنا أو هناك بل موقع الوطن على الخريطة الإقليمية والدولية.




















