الحياة – 12/02/09//
لم يعاقب الناخبون حزب «كديما». اعطوه الموقع الأول. لكن تسيبي ليفني تدرك أن التفويض ناقص. قدرة بنيامين نتانياهو على تشكيل الحكومة تفوق قدرتها. زعيم «ليكود» يشعر هو الآخر أن التفويض ناقص. الاتكاء على تقدم «اسرائيل بيتنا» حل يحمل في داخله مشكلة. يقلّص قدرته على المناورة. يعقّد بالتأكيد العلاقة مع إدارة باراك أوباما إذا كانت جدية في حديثها عن تحريك عملية السلام.
لقاء الكتلتين الكبيرتين في حكومة وحدة وطنية لن يكون سهلاً. يفترض التناوب والتجاذب. يسهل الاتفاق على تزايد «الخطر الإيراني» لكن يصعب الاتفاق على الحد الأدنى الضروري لابقاء وهم السلام حياً. الأكيد هو أن إسرائيل انزاحت أكثر إلى اليمين. والأكيد أيضاً أن مذبحة غزة لم تسعف ايهود باراك. بات عدد مقاعد حزب «العمل» أقل من عدد الأوسمة التي حصدها الجنرال باراك نتيجة ضرباته المدوية ضد الفلسطينيين.
يمكن القول إن الانتخابات الاسرائيلية أكدت اقامة اسرائيل في النفق. القرار سيكون حصيلة مساومات وتجاذبات وابتزازات. سيأتي دائماً أقل من المقبول فلسطينياً. وأقل من حاجة الوسيط الأميركي الى ورقة تين.
يمكن القول إن جهود السلام دفعت الى النفق. الخروج ليس بسيطاً. الاقامة مقلقة ومكلفة. تمزقات البيت الاسرائيلي تدفع أوهام السلام الى الثلاجة. الوضع المأسوي للبيت الفلسطيني لا يحتاج الى شرح. حين يقرأ محمود عباس نتائج الانتخابات الاسرائيلية سيشعر بأن جهود السلطة الفلسطينية من أجل السلام دفعت الى النفق. القضية الفلسطينية برمتها دخلت النفق منذ إشهار الطلاق الدموي بين الضفة وغزة. حركة «فتح» تقيم منذ سنوات في نفق العجز حتى عن عقد مؤتمر. تستطيع «حماس» القول ان نتائج الانتخابات الاسرائيلية تؤكد صحة شكوكها القديمة. هذا لا يلغي ان «حماس» تقيم هي الأخرى داخل النفق. أقصى ما تستطيعه هو ان تنتظر في غزة وان تنشغل حكومتها بصيانة الأنفاق.
مبادرة السلام العربية ليست في أفضل أحوالها. نتائج الانتخابات الاسرائيلية ليست خبراً ساراً للمراهنين عليها. «قوتها» تكمن في غياب أي بديل واقعي مقنع لها. الأوضاع الاسرائيلية والفلسطينية لا توحي بإمكان إبقاء المبادرة حية طويلاً. المرحلة مرحلة أنفاق لا مرحلة حلول.
باراك أوباما الجالس في المكتب البيضاوي هو غير أوباما الذي كان ينتظر موعد مغادرة سلفه. الأحلام شيء والأرقام شيء آخر. واضح ان الأزمة المالية العالمية دفعت القوة العظمى الوحيدة الى نفق يصعب التكهن بموعد الخروج منه. الأنفاق الأخرى والموروثة حاضرة ايضاً. ما شهدته كابول أمس يذكر بأن الولايات المتحدة عالقة في النفق الأفغاني. الحسم العسكري متعذّر. المغادرة وترك افغانستان للملا عمر واسامة بن لادن غير واردين. العلاجات التي جربت في العراق غير مضمونة النجاح هناك. تركيبة أفغانستان مختلفة. الاضطراب الباكستاني يضاعف صعوبة الخروج من النفق الأفغاني.
لبنان دفع منذ سنوات الى النفق. «حكومة الانتقام الوطني» توجت عتمة النفق بشلل وطني شامل. لا شيء يضمن أن الانتخابات ستخرج اللبنانيين من أنفاقهم. مستوى التخاطب السياسي يواصل انحداراً غير مسبوق. نسي سياسيون فكرة الدولة وتفرغوا لفن الهجاء.
التضامن العربي يتعرّق في النفق. ثمة فرصة وحيدة لبدء محاولة للخروج من الانفاق. تفاهم واقعي وجدي وتفصيلي داخل ما كان يعرف بالمثلث السعودي – المصري – السوري. هذا التفاهم يمكن ان يساعد اللبنانيين والفلسطينيين على الخروج من الأنفاق. يمكن ان يذكّر اللاعبين الآخرين في الشرق الأوسط أن العرب لا يزالون على قيد الحياة. وفي غياب ذلك ستقيم الشعوب العربية في الأنفاق وستكتفي بمتابعة الفضائيات. لقّحوا أطفالكم.




















