الخلاصة التي ينبغي استخلاصها من نتائج الانتخابات هي أنه ينبغي على حزبي كديما والعمل أن يندمجا وأن يعملا ككتلة مشتركة في الكنيست الثامن عشر. وسيكون للدمج بينهما منطق مزدوج: سيضع في مركز الجهاز السياسي كتلة تضم 40 عضو كنيست، تكون المحور المركزي لكل ائتلاف حكومي محتمل، كما أنها ستعيد قليلا من الاستقرار إلى الجهاز المتصدع بين الأحزاب المتوسطة الحجم.
ليس ثمة فارق إيديولوجي بين حزبي العمل وكديما، بحيث يكون هذا الفارق عائقا لا يمكن تجاوزه أمام الدمج بين الحزبين. فكلاهما يجمع بين الاعتدال السياسي والشدة الأمنية، كما أن مكوثهما المشترك في حكومة أولمرت تميز بالتوافق على غالبية القضايا المبدئية. أما الخلافات في الرأي والأزمات بينهما فكانت نابعة من النزاع الشخصي بين إيهود باراك وإيهود أولمرت، وليس من تباينات في الآراء والمواقف.
إن الدمج بين الحزبين سيعزز المعسكر المؤيد لتقاسم البلاد مع الفلسطينيين وللتسوية السلمية مع سوريا، مقابل اليمين المعارض لكل تسوية وانسحاب. وباعتبارها الكتلة الأكبر، سيكون الحزب المنبثق عن الدمج هو من سيشكل الحكومة القادمة، حتى وإن احتاج إلى الائتلاف مع أحزاب يمينية- فإن النغمة المسيطرة ستكون لكتلة الوسط- يسار، وهكذا سيُنظر إلى إسرائيل من قبل الأسرة الدولية. فالحزب المندمج سيمنع اليمين من توسيع المستوطنات، سيُنقذ إسرائيل من مواجهة مع إدارة أوباما، وسيُلقي في سلة المهملات الأفكار العنصرية لأفيغدور ليبرمان.
لقد أثبت كديما في معركة الانتخابات الحالية أنه ليس وريث حزبي داش وشينوي، اللذين سطع نجمهما للحظة ثم أفل. فالأمل الذي علل باراك النفس به، وهو تفكك كديما واختفائه، لم يتحقق. ما حصل هو أن كديما حافظ على مكانته كحزب رائد لمعسكر الوسط- يسار. كديما بقيادة تسيبي لفني نجح في التحرر من قلة الشعبية التي تمتع بها أولمرت وحقق نتيجة مناسبة في صناديق الاقتراع. في المقابل، واصل حزب العمل بقيادة باراك مسيرة التدهور، إلى درجة فقدان معنى وجوده منفردا. ومع ذلك، لم يتلاشَ حتى الآن الخطر على مستقبل كديما إذا فقد السلطة. فالحزب المندمج سيقلل من هذه الخشية الكامنة في عودة أعضاء كنيست من كديما إلى الليكود ومن تعزز قوة كتلة اليمين.
إن قيام كتلة كبيرة في مركز الخارطة السياسية سيعطي أيضا جوابا لمشكلة الاستقرار التي تفاقمت مع انهيار الأحزاب الكبيرة. وحتى قبل معرفة النتائج، صدرت دعوات إلى تغيير نظام الحكم، من اجل ضمان أن تتمكن الحكومة من أداء مهامها وعدم التعرض لخطر السقوط بشكل دائم. وإذا كان من الممكن الدخول في سجال حول ما إذا كان نظام الحكم الرئاسي الأميركي مناسب لإسرائيل أم غير مناسب، إلا أن هذا النقاش سيكون نظريا في جميع الأحوال.
من شبه المستحيل تمرير إصلاحات تتعلق بالحكم في الكنيست بسبب معارضة الأحزاب الصغيرة، وتعلمنا التجربة المحزنة لقانون الانتخاب المباشر أنه من الصعب التوقع مسبقا بتداعيات التغيير. فوجود حزب كبير في السلطة، يتحد حول فكرة سياسية، من شأنه أن يعيد إلى الجهاز السياسي جزءاً من الاستقرار الذي فقده في العقد الأخير، من دون أن يكون هناك حاجة إلى تغيير نظام الحكم أو التصدي لتغييرات تشريعية معقدة.
يمكن إثارة عدة مبررات ضد حصول عملية الدمج بين العمل وكديما. أولا، هذا تشويه لإرادة الناخب، الذي رأى أمامه حزبين منفصلين. لكن هذه لن تكون عملية الدمج الأولى في تاريخ السياسة الإسرائيلية، وهي ستكون شرعية مثل كل سابقاتها. ثانيا، لن يرغب جميع أعضاء الكنيست من حزب العمل بالانضمام إلى كتلة مشتركة مع كديما، الحزب الذي جاء مؤسسوه من حزب الليكود. والجواب على هذا بسيط: من يرفض المشاركة في الاندماج بغية الحفاظ على النقاء الايديولوجي، يمكنه الانتقال إلى ميرتس وتعزيز اليسار. وهذه المسألة لها سوابق أيضا ( يوسي ساريد، يوسي بيلين)؛ ثالثا، الدمج بين الحزبين يؤدي الى طمس المواقف والميل إلى الوسط، وهذا أمر سيكون ثمنه حصول شلل في العملية السياسية. هذا الأمر ربما كان صحيحا في أيام غولدا مئير. لكن ثمة شك في أن يكون صحيحا في العام 2009، حيث صيغة التسويات مع سوريا والفلسطينيين معروفة للجميع، وحيث أن نتائج الانتخابات تلزم تشكيل حكومة وحدة.
لكن العنصر الرئيس الذي يعيق عملية الدمج بين كديما والعمل هو طموح السياسيين: طالما اعتقدوا ن السير بشكل منفرد سيمنحهم حقائب أكبر ومناصب أهم، فسيمتنعون عن التعاون في إطار سياسي واحد. ثمة شك في ان يكون هذا الأمر جيد للحزب، لكن من الواضح أنه سيكون سيئا للدولة. إسرائيل بحاجة إلى حزب وسط- يسار كبير.
("هآرتس" 11/2/2009)




















