نصير الأسعد
من بين كل المفاهيم والعناوين والمصطلحات التي صاغَتها حركة 14 آذار في السنوات الماضية، لا مبالغة في القول إن "القرار الوطني المستقل" هو الأكثر "توفيقاً"، والأكثر تعريفاً بحركة الإستقلال اللبناني وأهدافها، بل هو الأكثر تحديداً، إذ يفيد أن حركة 14 آذار هي حركة "القرار الوطني المستقل" أو الحركة من أجل "القرار الوطني المستقل". وتحت عنوان "الدفاع عن القرار الوطني المستقل"، دعت قيادات 14 آذار جماهيرها الى الاحتشاد في ساحة الحرية غداً إحياءً لذكرى شهيد الإستقلال اللبناني الثاني الرئيس رفيق الحريري وسائر الشهداء.
"الأصل الفلسطيني" لـ "القرار المستقل"
و"الأمانة التاريخية" تقتضي الاعتراف بأن لمقولة "القرار الوطني المستقل" أصلاً فلسطينياً، بل إن "القرار الوطني المستقل" قصة فلسطينية، قصة نضال فلسطيني طويل.
باكراً جداً، رفعت حركة "فتح" والحركة الوطنية الفلسطينية وعلى رأسهما الزعيم الراحل ياسر عرفات أبو عمّار، راية "القرار الوطني المستقل". كان ذلك من أجل تأكيد أن هدف النضال الفلسطيني هو تحقيق الإستقلال الوطني في إطار دولة فلسطينية مستقلة. ومن أجل تأكيد أن الحركة الوطنية الفلسطينية مستقلة عن الأنظمة العربية ولا تخضع لأي منها. ومن أجل تأكيد أن القضية الفلسطينية قضية وطنية للشعب الفلسطيني أولاً "ثم" قضية عربية.
أبو عمّار واجه مقولة "جنوب سوريا"
"القرار الوطني المستقل" بـ"معناه الفلسطيني"، كان ولا يزال "الشعار" الذي يعني الصراع ضد إسرائيل لتحقيق الإستقلال ودولته من جهة والحفاظ على "الإستقلالية" عن النظم العربية تجسيداً لحقيقة أن لفلسطين شعبها من جهة أخرى. وكل ذلك مع الحرص الشديد على التضامن العربي وعلى مكانة الشرعية العربية، أي على العلاقة بين الشرعية الفلسطينية المستقلة والشرعية العربية. والحقّ يُقال في هذا المجال إن كل الأنظمة العربية عرفت "حدودها" وتعاطت مع "القرار الوطني المستقل" بواقعية وإيجابية.. إلا نظام البعث في سوريا. لم يوفّر النظام في سوريا وسيلة لمحاربة "الإستقلالية الفلسطينية" وكل ذلك بـ"ذريعة" أن "فلسطين جنوب سوريا".
"التواطؤ"
حيال ذلك، سعى أبو عمّار بكل من أوتي من صبر وحنكة كي لا يتحوّل "القرار الوطني المستقل" تصادماً مع سوريا. لكن "فلسطين جنوب سوريا" كان شعاراً أقوى في "الضفة" السورية، ولا يزال تواطؤ النظام السوري ضد القرار الفلسطيني المستقل مستمراً إلى اليوم. بل أكثر من ذلك، صار المعنى "ضدّ سوريا" يمثّل أكثر معاني "القرار الوطني المستقل" دلالةً.
وقتلت إسرائيل أبو عمّار. والتاريخ يشهد أن إستقلال فلسطين هو الى اليوم ضحيّة تواطؤ بين إسرائيل التي ترفض الاعتراف بـ"حقيقة" فلسطين من جهة والنظام السوري الذي يرفض الاعتراف بأن فلسطين ليست إقليماً سورياً من جهة ثانية.
أبو بهاء وفلسطين وإستقلال لبنان
بطبيعة الحال، لا يشبه الرجال القادة بعضهم "حرفياً" ولا تتشابه ظروفهم "تماماً".
بيدَ أن بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس الشهيد ياسر عرفات ما يمكن تسميته "تآخي" وطنيّتين لبنانية وفلسطينية. بينهما عشقُ كل واحد منهما لوطنه حتى الإستشهاد. بينهما القناعة بأن علاقة لبنان وفلسطين إنما هي علاقةٌ بين إستقلالَين ودولتين مستقلّتين، بدونهما سيبقى "الشرق الأوسط" منطقة إضطراب.
لقد سعى الرئيس الحريري أبو بهاء هو أيضاً من أجل أن يكون إستقلال لبنان بـ"موافقة" سوريا وبإرادتها. لكنه، كما واجه أبو عمّار مقولة "فلسطين جنوب سوريا"، واجه أبو بهاء مقولة أن "لبنان شرق سوريا"، وأن لبنان وسوريا "شعب واحد في دولتين" المهم ألاّ تقوم الدولة الثانية (!). وإذا كان النظام السوري يغضب ويرغي ويزبد كلما ذُكر "القرار الوطني الفلسطيني المستقل"، فإنه كان ولا يزال يستشيط غضباً كلما ذُكر "القرار الوطني اللبناني المستقل" أو كلما ذكر اتفاق الطائف.
قتلت دمشق ونظامها الأمني رفيق الحريري. والتاريخ يشهد أن إستقلال لبنان هو إلى اليوم ضحية تواطؤ بين النظام السوري الذي يرفض الإعتراف بـ"حقيقة" لبنان من جهة وإسرائيل التي تفضل الوصاية السورية على لبنان وترفض إستقلال هذا البلد لما يعنيه من نموذج ودور في كل المجالات من جهة أخرى.
استقلالان ودولتان
رفيق الحريري وياسر عرفات. أبو بهاء وأبو عمار. إستقلالان ودولتان. شهيدان لوطنَين. "لبنان أولاً" و"فلسطين أولاً". وهل ثمة من يشكك لحظة في أن إستقلال لبنان عام 1943 اهتز بضياع فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام 1948؟ وهل ثمة من يشك لحظة في أن دعامة إستقلال لبنان و"ضمانته" بقيام دولة فلسطين؟ وهل ثمة من يشك لحظة في العلاقة بين الحريري وتياره من بعده بزعامة سعد رفيق الحريري وفلسطين؟ وهل ثمة من يساوره الشك في أن العلاقة بين وطنيَتين عربيّتَين؟ أو في حقيقة أن الوطنية اللبنانية شقيقة توأم للوطنية الفلسطينية، أو أن الوطنية الفلسطينية لا تتغذى اليوم من الوطنية اللبنانية و"تهتدي" بها؟
لقد "بات" قول هذا الكلام اليوم محتّماً. لم تعد العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية مشوبة بأي التباس. لم يعد لبنان ممرّ الفلسطينيين إلى فلسطين. والذي وقف على الدوام ويقف باستمرار ضد المصالحة اللبنانية ـ الفلسطينية الواعية والمكتملة هو النظام السوري الذي يستبقي جماعاته وشبكاته تسيء الى الأخوة اللبنانية ـ الفلسطينية.
"القرار الوطني المستقل" مسيرة رفيق الحريري
"القرار الوطني المستقل": أن يكون لبنان مستقلاً عن المحاور وصراعاتها، وأن يكون وطناً لجميع أبنائه، وأن تقوم له دولة سيدة حرة، وأن يكون مواطنوه أحراراً.
"القرار الوطني المستقل" تعبير عن الوطنية و"عصبها"، وليس تعبيراً "متطرفاً" الا بقدر تطرف المتواطئين ضد إستقلال لبنان.
"القرار الوطني المستقل" هو مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
غداً في 14 شباط، سيؤكد اللبنانيون تمسكهم بـ"القرار الوطني المستقل" الذي تجسده حركة 14 آذار. واستذكار أبو عمار في ذكرى أبو بهاء والعكس بالعكس أمر طبيعي. وعندما يقال "القرار الوطني المستقل" يُختصر كل "شيء".
وهذا "القرار الوطني المستقل" سوف يهز صروحاً كرتونية كثيرة.




















