عندما تداولنا في منح هذه الجائزة، طاف محمود بيننا، شجرة من تربتنا، وصوتا من أعماقنا لم يَدُر بخلدنا أن نُتوِّجَهُ أو نُكافِئَهُ. كُنَّا نعرف أنه قد عبر إلى ضفة لا يحتاج فيها لمثل هذه الطقوس، وكنا نعرف أن قصة الشجرة، بمقاومتها، وفرادتها، وطيبوبتها، وعشقها للنساء ستفرحه. وكنا نحب أن يفرح الشاعر، فتتدفق الكلمات سريعة متدافعة من لسانه، وتتلعثم ضحكته. كذلك كان محمود، تربكه المحبة، وتفرحه، وتشحذ حسه الساخر، وخفته الشفيفة. كذلك كان في إنصاته للمغرب، وفي إنشاده في هذا البيت، وفي انشغاله المتسلي بقضايانا، ومعاركنا، وخصوماتنا الطفولية . لذلك لم نتردد في دعوته إلى هذه الشجرة التي تتعرف فيها على هشاشتنا وصلابتنا، على ضوئنا الداخلي، وعلى غموضنا. على صبرنا وغوايتنا.
لأزيد من نصف قرن كان محمود شجرة تنمو في النص وفي الحياة، لم يترك مجازا واحدا لم يُسَمِّ به فلسطين . ولم يترك كلمة واحدة لم يُبْحِرْ بها بعيدا عن شواطئها. كان يعرف ان مأساة اجتثات شَعْبِهِ ستظل جذوة قصيدته ونُسغها، وكان يعرف أن الشاعرلا يأوي الى بيت، ولا إلى أرض، ولا إلى قبيلة ولكن إلى قصيدة يجري خلفها وتجري خلفه، يمسك بها وتمسك به، لا يمسك بها ولا تمسك به، يهز بها شجرة الشعر الانساني ويفتح بها نوافذ على عشه الصغير.
كذلك فعل محمود، من عش أمه في الجليل تبع القصيدة في تفاصيل يده، وفي أسفار قلبه وفي مدن أهدته ليلها وشجنها اوسريرا للغريبة’، وفي قطارات لا تعود أبدا، في سفن حملت إخوته وغرفة نومه ولم تعرف وجهتها وفي موانئ أشعلت له شموع عشاء أخير.
كذلك فعل محمود.
لم يعتبر الشعر سفينته، بل إبحار شعب بأكمله نحو المستحيل، ولم يتنازل أبدا، لا عن حقه المباشر في المقاومة، ولا عن حقه في قصيدة لا ولاء لها إلا لحبره المقدس.
كانت أساطيره الخاصة، وأحلامه، وتضاريس غربته، وعبير الأرض التي ترسبت في دمه، تطل كلها من قصيدته، مُجَرَّدَ ومض ينير ظلمة النص. وكانت مفاجئات الكتابة واحتمالاتها أجنحتَه وملاذَه والشرفة التي يتطلع منها نحو حدائقه البعيدة.
لأزيد من نصف قرن نذر محمود نفسه لابتكار لغة جديدة يعيد بها تركيب لغتنا ومشاعرنا وشظايا وطن عصي على فكرة الوطن، لغة تتناسل فيها وجوه وملامح تنتقل بين ضفتي الحياة والموت دون أن تترك سوى اأثر للفراشةب من اأوراق الزيتونب إلى احضرة الغيابب تدفقت هذه اللغة دقيقة أو هلامية، منقادة أو نافرة، لغة تنهض من حرائقه ورماده وتذهب إلى حيث ينحت الشعر ممراته الكونية.
كذلك فعل محمود.
ذهب بعيدا قبل أن يذهب
وعاد قبل أن يمضي إلى كلماته الأولى
من أجله، ومن اجل القصيدة التي أنقذها بها من قسوة العالم نهبُه اأركانةب تلك القصيدة الأخرى التي يضيئ زيتها بجمال هذه الأرض.
حياتنا عبءٌ على ليل المؤرخ … كلما
أخفيتُهم طلعوا علي من الغياب
حياتنا عبء على الرسام:أرسمهم فأصْبحُ واحدًا منهم، ويحجبني الضباب
حياتنا عبء على الجنرالب كيف يسيل من شبح دم؟
وحياتنا
هي أن نكون كما نريد . نريد
أن نحيا قليلا، لا لشيء… بل لنحترم
القيامة بعد هذا الموت
ا الموت لا يعني لنا شيئا نكون فلا يكون
الموت لا يعني لنا شيئا
يكون فلا نكون.
شاعر من المغرب، وهذا نص قدم في احتفال منح جائزة الاركانة للشاعر الراحل
"القدس العربي"




















