«ليس هناك عدو دائم.. ولا صديق دائم»، دستور البراغماتية.
**
في عام 1948 استيقظ العالم العربي والإسلامي على خبر هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي، لتقوم دولة اليهود على أرض فلسطين، مكينة راسخة كما أراد لها بلفور الحنون.
بدأت حينها الإذاعات العربية تصدح بالخطب والأغاني التي ستدحر يوماً «اليهود الغاصبين».. ونعود قريباً إلى فلسطين الحبيبة.
في عام 1967 احتلت دولة إسرائيل الغاصبة مدينة القدس.. زهرة المدائن.
ازدادت وتيرة الغضب الغنائي ضد اليهود الغاصبين، وأصبحت أغاني الوجد العربي على فراق فلسطين تكفي لبناء مكتبة موسيقية شاملة.. ومليئة بالدموع!
لست من الجيل الذي أدرك أغاني ومباكي نكبة 48، لكنني لحسن الحظ لم يفتني الكثير فقد عوضت في ما أدركته ووعيته من أغاني نكسة 67 ما يشفي الغليل!
بكينا كثيراً على «زهرة المدائن» التي شعرنا بأننا لن «نرجع يوماً» إليها، لكننا انتفضنا بالتفاؤل من جديد مع «الغضب الساطع آت ٍ» بأننا سنرجع يوماً.
لم تتحقق الأمنية حتى اليوم.
ليست المشكلة الآن في أن «الأمنية» لم تتحقق..
بل المشكلة الأكبر هي أننا لم نعد نتذكر ما هي «الأمنية»!
هل نريد استعادة فلسطين، أم استعادة القدس، أم استعادة المسجد الأقصى، أم استعادة باب المغاربة فقط؟!
أخشى أن يأتي يوم تصبح أمنيتنا فيه استعادة «مفتاح» باب المغاربة من ميدالية مفاتيح إسرائيل!!
تصاغرت أمنياتنا من المطالبة بحدود فلسطين (آلاف الكيلومترات) إلى المطالبة بحدود باب المغاربة (بضعة أمتار).
أصبحت المفاوضات تجري بين الوفود العربية من جهة والوفود الإسرائيلية (وأخواتها!) من جهة أخرى، ليس من أجل دولة أو مدينة أو مبنى ثمين، بل من أجل «باب» فقط في هذا المبنى.
وحتى هذه المطالبة الصغيرة المتواضعة دونها خرط القتاد وفرض العناد وشحذ العتاد وذل العباد!
في دورة المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو في النصف الأول من شهر تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، لم يستطع العرب الخروج بقرار يندد بما تقوم به الجرافات الإسرائيلية من تخريب وهدم في منحدر باب المغاربة. فبعد ثلاثة أيام من المفاوضات الشاقة بين الإخوة الأعداء خرج قرار المنظمة خالياً من أي عبارة أو مفردة تندد بما تقوم به السلطات الإسرائيلية من عناد واعتداء وتخريب. عبّر أحد ممثلي فلسطين لدى اليونسكو بالقول «لم يكن القرار بالمستوى المطلوب. كنا نطالب بالإدانة أو حتى لفت نظر إسرائيل الى أنه لا يجوز هذا التصرف الاحادي الجانب، لكن…» (صحيفة «الرياض» السعودية).
حجة اليونسكو في تشبثها بالقرار الوديع، الخالي من الإدانة، أنها ليست منظمة سياسية كمجلس الأمن، بل ثقافية تبرأ من التسييس!
حسناً.. نريد إدانة ثقافية حضارية تراثية إنسانية، ضد تخريب المسجد الأقصى، كتلك الإدانة التي كانت من اليونسكو ضد تخريب تماثيل بوذا في أفغانستان.
هل هذا ممكن، أم أنه سيجرح مشاعر رئيس بلدية القدس؟
**
لم تتصاغر أمانينا منذ 1948 حتى اليوم، فقط.
بل تصاغر أعداؤنا أيضاً!
في عام 1967 كانت البيانات السياسية والأناشيد الوطنية ضد «اليهود الغاصبين».
في عام 1991 اكتشفنا أن صراعنا ليس مع كل اليهود بل مع الإسرائيليين المحتلين.
في عام 1997 تبين لنا أن مشكلتنا ليست مع كل الإسرائيليين بل مع المستوطنين الإسرائيليين فقط.
في عام 2002 أصبح «الصهاينة» من الإسرائيليين فقط هم من يناصبنا العداء.
في عام 2006 عرفنا أخيراً العدو الحقيقي الذي يحتل أرضنا ويقتل أهلنا. إنه ليس كل الصهاينة، كما ظلمناهم من قبل، بل حزب «الليكود» فقط.
في أكتوبر 2008 كانت المفاجأة المذهلة، إذ تبين لنا أن العدو الأوحد للعرب والمسلمين ولكل دعاة السلام هو فقط «رئيس بلدية القدس»!
****
لننشد سوياً الآن:
سنرجع يوماً.. يا رئيس بلدية القدس!!
* كاتب سعودي
"الحياة"




















