يشكرني الشباب قولي كلام حق بهم، لأنهم الحقيقة، وأتذكر شبابنا.. يوم كنا في أوائل العشرينات ونعتبر أنفسنا مسؤولين كباراً، ونغتاظ ممن يريد ممارسة الأبوية علينا وقد يكون وعيه خالوطة، وربما لم يقرأ الذي قرأناه، ولم تفلحص عيونه في متابعة الأفكار،والتدقيق في الفواصل، والكلمات وتلك الحوارت الطويلة التي كنا نجريها ويسيل منّا العرق البارد والساخن، والشجار والنقار والزعل .. وربما ،وبسبب طغيان صراع الأجيال، كنا ننسى تجربة الحياة في الأكبر، ومدرستها، فيسهل علينا شطبها، وشطبهم(بجرّة قلم)، ويعدها أوف الارتياح في أننا تخلصنا من عبء ثقيل على الفكر والقلب ..
ـ أذكر أن جلّ القيادات الحاكمة التي كانت ترفع شعارات أكبر من السموات السبع العربية كانت في الثلاثينات، وأقل قليلاً، وازيد قليلاً، وكانوا يعتبرون، بحكم الواقع، وبحكم الموقع شيئاً خارقاً ..وقليلهم من كان يعترف بمسألة الوعي، ودور الخبرة والتعقل، وكثيرهم كان يعتبر العقلانية وسطية، والوسطية يمين، واليمين برجوازية، والبرجوازية إمبريالية، أو تابعة لها ..
ـ أذكر وقد اتخذنا موقفاً ضد انقلاب الأسد وأنا في الرابعة والعشرين من عمري.. وكأننا تقاعدنا من السياسة.. ثم وكأننا سنقود عملية التغيير الكبرى للبعث من وإلى، وقد حاولنا.. وحيث كنت في قيادة العمل السري، ومسؤولاً عنه لسنوات، كنت شاباً يرفض، وغيره كومات النصائح والتوجيهات.. التي تأتي من(الختايرة).. لأن فيها الكثير من العنظزة، والتردد والفوقية المخلوطة بالتهكم وقلة الاعتبار، فيسهل إطلاق التوصيف فيها وفيهم ..
ـ وأذكر، وقد كبرنا قليلاً، وكبر مشروعنا التنظيمي الواعد، أن من كان يقود الميدان فعلياً هم الأصغر مني ببضع سنوات، أي في أوائل العشرينات، بينما لم أك قد بلغت الثلاثين ..وكنا نملأ الدنيا كتابات ونقاشات وعمليات تطوير، وحضوراً في الميدان، ومشاريع وحوارات جبهوية ،ووعياً متقداً ينضج بسرعة، ويتبلور ليستقر في مقامه الطبيعي، رغم الشطحات وبعض أمراض المراهقة، ورغم الأخطاء التي كنا نملك الشجاعة في نقدها وتجاوزها . .
ـ اليوم.. وقد بلغت معظم قيادات المعارضة من العمر عتياً،والصغير فيهم بعمري، أو أصغر قليلاً .. ينسون أيام شبابهم ، وكثيرهم، وإن اعترف لفظياً بحقيقة الحقيقة : أنه لا فضل له، ولا لأحد منهم ـ منا ـ بالإعداد للانتفاضة ـ الثورة، بل ولا حتى توقعها، وأنه يشيد بفضل ، وشجاعة، وتضحيات الشباب ودورهم.. إلا أن كثير التصريحات . كثير البيانات . كثير التحركات . كثير المؤتمرات . كثير المشاريع تتجاوزهم عملياً، وتنصّب من نفسها بديلاً وسط هذا التزاحم : الطبيعي ـ المفتعل . الصحي الظواهري، التهييصي ..
ـ أشدّ من هذا أن بعض هؤلاء(وهو كثير) يمارس نقداً فوقياً فيكثر من التنظير في بدائله ، وفي توجيه اتهامات قاسية لشعارات الشباب ومواقف التنسيقيات وسقفها، خاصة ما يتعلق بشعار إسقاط النظام، وكأنه مالك الحقيقة وحده، والغير مجرد أولاد يلعبون لعبة خطيرة لا يعرفون محتوياتها، ولا محاذير لعبهم..وكأنه وحده الوصي على الوطن ومستقبله ..
ـ وتأخذ مقولة الترشيد لدى البعض ليس النصح الواجب، والنصح الضروري، وإنما معنى الاستخفاف بالشباب و(نقص وعيهم، وخبرتهم، وأهليتهم القيادية..إلخ).. وندخل حقل التنظير(العميق) في موازين القوى وفتح الدفاتر للعدّ والجمع والطرح والتقسيم( وحراك الشعوب لا يجمع ولا يطرح)، ثم الخروج بنتيجة مؤداها : أن الشباب مخطيء، ومتهور، ومتحمّس أكثر من اللازم، وأن مصلحة الوطن العليا، ومخاطر المخاطر التي تلوح، وأوهام التدخل الخارجي، والحرب الأهلية.. وكثير.. يجب أن تقود إلى العقلنة، والعقلنة توجب أن يتسنّم هؤلاء قيادة الدفة والإبحار العميق فيما يعتقدونه الأصوب..
ـ عديد هؤلاء يترفّع عن النزول للميدان، وعن مشاركة الشباب يومياتهم وهمومهم ومعاناتهم، بل وحتى معرفة ما يجول في خاطرهم، وما يحركهم، وكيف يعملون، ويتحركون.. ولا يتنازل (ليكون بمستواهم)، بل ولا حتى في موقع المشاركة معهم.. ومن موقعه، ومسافته تتهاطل البيانات والمواقف والانتقادات..والنصائح .
ـ ينسى، وننسى.. أننا كنا أصغر منهم، وأننا قعدنا عقوداً في برادات الموت السريري، أو في محطات الانتظار المفلوتة العنوان والمآل، وأن كثيراً من عاش سنوات طويلة على أمل بصيص إصلاح من نظام لا يَصلح ولا يُصلح.. وأن النظام ذبح عامداً متعمداً كل المراهنات عليه، كل الآمال يتراجعه عن كله الأمني القاتل، وأنه لا يملك غير طريقه : نهجه الوحيد، وأن المعركة المفروضة اليوم على الشعب لا يمكن التردد والتراجع فيها ..
ـ نعم.. سنجد أكواماً من الملاحظات لمن يريد(البحبشة) في عمل الشباب، وتطور مسارهم، في التصرفات والتنافس، والشعارات على الحواف، والتقدير، وتعدد وتشابك التنسيقيات، وألف وألف سلبية وخطأ..وقصور وتقصير، وأعباء تنوخ لها الجبال….لكن كل ذلك يجب أن يكون دافعاً كي يضع(الكبار) أنفسهم تحت تصرف الشباب، بدءاً من الاعتراف بهم قيادة، ودوراً، ووصولاً إلى الالتزام بما يُجمعون عليه.. حينها سيفتح الشباب صدورهم الدافئة، المليئة بالحب والتقدير للآكبر سناً وتجربة، ويدعونهم لمساعدتهم ونصحهم، وإرشادهم(ترشيدهم)، وحينها يتمّ التلاحم بين الخبرة وحماس الشباب.. لأجل قياد مركب الثورة إلى مستقرها الآمن : الانتصار الشامل عبر تفكيك وإنهاء نظام الاستبداد، والاتفاق على صيغ المرحلة الانتقالية لتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية ..




















