لا استطيع اخفاء سعادتي بذهاب جورج دبليو بوش الى النسيان. كما لا استطيع اخفاء تخوفي من استمرار عهده عبر فوزالجمهوري ماكين.
السعادة حق لكل شعوب العالم، رغم انها تمتزج بالمرارة والدم. لا ادري كيف استطاع رجل احمق ووضيع وتافه، ان يتربع على عرش الكرة الارضية ثمانية اعوام.
ثمانية اعوام كانت كافية كي تجعل الدم يسير انهارا. من العراق الذي غزته امريكا بحجة كاذبة، وبخطاب مخادع، الى فلسطين، التي عربدت فيها الآلة العسكرية الاسرائيلية الفاشية كما لم تعربد من قبل، الى آخره
رئيس تافه، محاط بتلامذة آخر المستشرقين برنارد لويس، الذي اعتقد انه ينتقم من هزيمته الفكرية الكاملة على يدي ادوارد سعيد، عبر الولوغ في الدم العراقي.
رئيس اعتقد ان الله اختاره شخصيا لقيادة العالم. مدمن سابق على الكحول، صار مدمنا على عبادة اله المال والنفط. ومعه مجموعة المحافظين الجدد، الذين انقلبوا من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، حاملين هوسهم بامبراطورية تحكم العالم مثلما تريد.
رئيس اصيب بعظامية القوة، مع وزير دفاعه السابق رامسفيلد. وهو شويعر يعتقد ان التكنولوجيا اكثر اهمية من الانسان. فأغرق الجيش الامريكي في عاره العراقي.
ادارة حمقاء، قادت امريكا الى ما يشبه الهزيمة المبكرة، لأنها اعتقدت ان ‘صليبيتها’
(والعبارة لجورج بوش)، تسمح لها باستباحة العالم كما تشاء.
لن يبقى في الذاكرة من هذا الرئيس سوى صورتين: غوانتانامو، حيث البربرية والتحايل على القانون، وابو غريب، حيث العري العراقي يفضح الاخلاق المزيفة، والهمجية الاستعمارية.
ربما، سوف يبقى في الذاكرة من الرجل، هيامه باسرائيل الشارونية، وتماهيه مع شارون السفّاح، قاتل الاطفال في شاتيلا وصبرا، وسماحه بحصار ياسر عرفات حتى الموت، بهدف قتل القضية الفلسطينية.
كما سيبقى منه افلاس الاقتصاد الامريكي ووصوله الى حافة الهاوية، بسبب هيمنة الرأسمالية المتوحشة، والموج اليميني الذي اجتاح العالم بعد نهاية الحرب الباردة.
نفرح لنهاية كابوس الغباء والعنصرية الذي مثله بوش، ونخاف من استمرار البوشية، على يد جون ماكين، الذي يريد البقاء في العراق مئة سنة اخرى! كأن العراق ارض سائبة.
لكن من المرجح ان تتبدد خشيتنا غدا، لأن امريكا ستنتخب رئيسا مختلفا يدعى باراك اوباما.
خلاسي شاب، يأتي لأنه صار حاجة اخلاقية امريكية.
تحتاج امريكا الى صورة جديدة. صورة راعي البقر القادم من تكساس على حصان خطاب اصولي ديني مهووس بنهاية العالم، صارت عبئا.
لقد جعل جورج دبليو بوش من نفسه عبئا اخلاقيا على الامريكيين.
هنا تكمن قوة اوباما، بخطابه المعتدل، وبشرته السوداء، وموهبته الخطابية، ونبرته الاخلاقية.
غدا سوف يكون لامريكا رئيس خلاسي، يحمل خطاب الطبقة الوسطى، يستعيد المقترب الليبرالي، ويحرر امريكا من عبء الجريمة التي صنعها سلفه.
لكن يجب علينا ان لا نغرق في التفاؤل.
الجاليات العربية في امريكا، سوف تنتخب، في اغلبيتها، وللمرة الاولى مرشحا ديموقراطيا. وهذه علامة تحرر من عقلية اصحاب السوبرماركت ومحطات البنزين، الذين انتخبوا الجمهوريين خوفا من زيادة الضرائب، والذين صوتوا منذ اربعة اعوام لجورج بوش.
لكن يجب ان لا يأخذنا الوهم الى تصديق ان امريكا سوف تتغير كثيرا.
لا شك ان السياسات الامريكية الداخلية سوف تشهد تحولا كبيرا، وهو تحول يطال الاقتصاد والتأمينات الاجتماعية، ويكبح جماح الخطاب العنصري.
كما ان السياسة الخارجية سوف تشهد تحولا ما، وخصوصا مع اختفاء ديك تشيني وكونداليسا رايس. وسوف يكون العراق المختبر الأول لهذ التغير.
لكن يجب ان لا نعتقد ان امريكا سوف تتغير جذريا. اوباما، رغم ملامحه السوداء، هو ابن المؤسسة البيضاء. وسوف يكون الموقف من الغطرسة الاسرائيلية المتنامية، خصوصا مع الانتخابات الاسرائيلية التي سوف تشهد صعود نتانياهو، هو المحك.
لكن هنا لا مكان للتفاؤل، لأن المشكلة ليست في امريكا، فقط بل في النظام العربي المستسلم، الذي لا يمارس اي ضغط جدي على امريكا واسرائيل.
السياسة الامريكية تجاه اسرائيل لن تتعدل، ولا اقول تتغير، الا اذا فرض العالم العربي هذا التعديل. وهذه مسألة مستبعدة للاسف نتيجة فقدان الارادة والكرامة.
هذا لا يعني ان لا شيء سوف يتغير، او انه لا فرق بين المرشحين. هناك فرق كبير بين الرجلين والنهجين فوز ماكين سوف يعني استمرار العهد البوشي الذي صنع الفوبيا العالمية ضد العرب والمسلمين.
ماكين يجب ان يسقط، وبعدها نرى ونقوّم التغيير الذي لن يطال بنية المؤسسة الامريكية، لكنه سوف يطال العديد من وجوهها.
غدا مساء سوف يكون لامريكا رئيس جديد، وسوف ينزاح الكابوس عن اجزاء عديدة من العالم.
لكن الكابوس سوف يبقى جاثما على فلسطين.
وهذا يفترض بناء مقترب جديد للجاليات العربية في امريكا، ورؤية جديدة، تسمح للامريكيين من اصل عربي، ممارسة دورهم كقوة ضغط تقدمية وليبرالية في المجتمع الامريكي.
غدا سوف تنتخب امريكا الرئيس الأقرب الى قضيتنا في تاريخها. فهل سيفتح العرب صفحة سياسية جديدة تعيدهم الى خريطة العالم، ام سيبقون اسرى انظمة الخنوع والفساد والانحطاط؟
"القدس العربي"




















