النتيجة المنتظرة للانتخابات الاسرائيلية تجاوزت قضية معرفة ما اذا كان الاسرائيلي اعطى اليمين ام الوسط واليسار.
حسابيا فاز اليمين الذي يستطيع ان يجمع 65 صوتا في الكنيست وهزم اليسار ممثلا بحزب العمل وحركة ميريتس اللذين لم يصلا معا الى عشرين مقعدا. وهزم الوسط رغم فوزه بالمرتبة الاولى لان حزب "كاديما" مع 28 مقعدا بدا عاريا مما اضطره للاتفاق مع ليبرمان زعيم حزب "اسرائيل بيتنا" مما افقد المعركة الانتخابية ما كان بقي لها من معنى بتغلب "ليكود" على "كاديما" بمقعد واحد.
نتائج الانتخابات افتتحت مرحلة يبدو من الصعب ان تنتهي سوى الى احدى نتيجتين: اما يتغلب اليمين على تناقضاته بين علمانيين ومتشددين دينيا، وبين اصحاب اولوية الارض واصحاب اولوية الديموغرافيا، فيمكن تشكيل حكومة يمينية "ضيقة"، واما يثبت عجز كل من "الليكود" و"كاديما" على تشكيل حكومة من دون الآخر، فتعود صيغة الحكومة الموسعة مع المناوبة في رئاستها بين ليفني ونتنياهو.
في الحالتين ستحكم العلاقة مع الفلسطينيين والعرب عموما بنود برنامج ليس فيه ما يمكن البناء عليه في ما يسمى مسيرة السلام.
لن يُقدّم للفلسطينيين في احسن الاحوال سوى صيغة ادنى من تلك التي وصلت اليها المفاوضات المغلقة لحكومة "كاديما – العمل" المنتهية ولايتها. وليست الحكومة التي يتمتع فيها "الليكود" بحق الفيتو هي التي ستتحمل مسؤولية اعادة مرتفعات الجولان الى سوريا.
بهذا المعنى يمكن القول ان الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة اقفلت، عمليا، للسنوات الاربع المقبلة مسارات السلام مع استبدالها على الارجح، بالتناوب بين التهدئة والتوتر المفتوح على الحروب المحلية او الشاملة.
هذا الوضع الاسرائيلي بدأ يدفع الوضع العربي في اتجاه تجاوز الانقسام الذي بات تقليديا في السنوات الاخيرة بين معسكري الاعتدال والممانعة او المواجهة.
والمظهر الابرز لذلك هو الانعكاسات الفلسطينية للحدث الاسرائيلي، فللمرة الاولى منذ انفصال غزة عن الضفة بدا الحديث عن استئناف الحوار الفلسطيني – الفلسطيني جديا. والمبادرة السعودية في القمة العربية الاخيرة الى المصالحة بدأت تكتسب بعد الانتخابات الاسرائيلية معاني تتجاوز غايتها الاصلية بكسر الجليد "الشخصي" بين القيادات العربية.
ورغم ان الادارة الاميركية الجديدة، ادارة باراك اوباما، تشكل قطعا مع نظرة ادارة الرئيس السابق جورج بوش الى الشرق الاوسط وازماته، الا ان نقطة الانطلاق الاسرائيلية تبدو اقدر على صوغ ردود الفعل العربية من الآمال المعقودة على الرئيس الاميركي الجديد.
وكان لافتا في الايام الاخيرة ان تعود قضية التوسع الاستيطاني الى السطح، مما يشير الى طابع المرحلة المقبلة. ففي حصيلة اولية لجولة المبعوث الرئاسي الاميركي جورج ميتشل قيل انه سيركز خلال المرحلة المقبلة على موضوع تجميد المستوطنات. وفي نبرة جديدة للرئيس الفلسطيني محمود عباس نعى سلفا اي محاولات لاستئناف التفاوض طالما ان النشاط الاستيطاني يستعيد حيويته. ولم تنتظر الحكومة الاسرائيلية الحالية تسليم مقاليدها لتباشر التصرف وفق ذهنية الحكومة المقبلة في موضوع الاستيطان.
المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية التي تواكبها مصالحة عربية – عربية ستسحب من "جدول الاعمال" موضوع غزة بصفته المهمة الاولى المتفق عليها اسرائيليا، والتي تحظى بإجماع القوى السياسية المعاد انتخابها حديثا. فحكومة وحدة وطنية فلسطينية تعيد قطاع غزة جزءا من جسم فلسطيني من المنتظر ان يضطر في مستقبل غير بعيد الى مواجهة موحدة لإقفال اسرائيل ابواب السلام.
حتى المواجهات التي يمكن ان تندلع بين اسرائيل وطرف فلسطيني او عربي، لا يمكن ان تثير انقسامات فلسطينية او عربية كالتي شهدناها خلال السنوات الاخيرة. فلطالما كانت الحكومات الاسرائيلية المتشددة الضامن لاستعادة وحدة الصف العربي رغم تفاوت الردود على سياسة اسرائيلية واحدة.
مرة اخرى يعيد التشدد الاسرائيلي الوضع العربي الى الحد الادنى من التضامن الذي اعتاد عليه. ومرة اخرى يعيد هذا التشدد مع ادارة اميركية جديدة العلاقة الاميركية – الاسرائيلية الى سويتها القديمة، حيث الطرف الاميركي اقل تشددا من اسرائيل لا كما كانت الحال في اعوام ادارة جورج بوش الابن.
محمد ابرهيم




















