الحياة – 21/02/09//
> الأحد 15/2/2009: والدة
والدة محمود درويش حاضرة في قصيدته «أمي» التي غناها مارسيل خليفة ورددتها أجيال، لكنها لم تحضر على الملأ إلاّ في جنازة ابنها الشاعر حيث رآها المعزون ونقلت صورتها الصحف والتلفزيونات.
كان محمود درويش وحيداً، مثل غيره من الشعراء الحقيقيين، وليس فقط بسبب بعد المسافة بينه وبين أهله الذين بقوا في اسرائيل حين تركها الى بيته العربي الكبير.
الحياة الشخصية للشعراء ليست الحبيبة أو الزوجة أو الأصدقاء، وهم الأكثر التصاقاً بالمبدع في لحظات إبداعه، انها أيضاً الأم والأب والأبناء، وكذلك الاخوة والأخوات وأبناء العمومة، خصوصاً في شرقنا حيث يصعب الفصل بين الفرد وعائلته، على الأقل في تقاليد المجتمع الأهلي.
يحرص أدونيس على زيارة والدته التي جاوزت المئة من عمرها، كما يحرص مثله شعراء آخرون، لأن الصلة بالأم والصلة بالشعر تتشابهان… ولم يكتب عن هذه الصلة بعد.
الشاعر هو أم لقصائده، لكن والدته شخصية غنية ومركبة كونها أنجبت شاعراً (أو شاعرة) هو (أو هي) بالضرورة أمّ لقصائد.
والدة محمود درويش أُعلنت وفاتها اليوم ودفنت في الجديدة – فلسطين 1948. لقد ودّعت السيدة ابنها ولم يودعها، لكن مواليدهما باقية… القصائد.
> الاثنين 16/2/2009: نقد مزدوج
طبعة جديدة من كتاب عبدالكبير الخطيبي «النقد المزدوج» صدرت عن دار الجمل في العراق وألمانيا، وكانت الأولى صدرت في بيروت عام 1980 ونقلها من الفرنسية الى العربية أدونيس وعبدالسلام بنعبدالعالي وزبيدة بو رحيل ومحمد برادة.
مادة الكتاب تستند الى فكرة أساسية واردة في هذا التمهيد: «لا يمكن للهوية الأصلية التي تقوم على الأصول اللغوية والدينية والأبوية أن تحدد وحدها العالم العربي، فهذه الهوية تصدعت وتمزقت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية، ثم إنها تجد نفسها مرغمة على التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية والتفتح على العالم.
هذا التفتح، الذي لم يسبق له مثيل، يستمد قوته من سيادة العقلانية العلمية. وهو يتم في عالم يطبعه الصراع والتناقض، وفي مواجهة بين مختلف النماذج الاستراتيجية، السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والثقافية.
العالم العربي اهتز في نظامه وتصدع في كيانه الحضاري، فأصبح يعاني من تعددية شاملة، تتجلى في جميع أشكال المثاقفة والاضمحلال. وليس هذا المسلسل في حد ذاته خيراً ولا شراً، إنه مسلسل تاريخي ينبغي أن نقوم بتحليله وتطعيمه عن طريق فكر قادر على تحليل الأوضاع المتعددة التي يجتازها العالم العربي.
فالعالم العربي، إذاً، تعدد، وهو لا يشكل – ولا يمكن أن يشكل في حد ذاته – وحدة أو كلاً متماسكاً بإمكاننا أن نحصره داخل منظومة واحدة.
لذا أدعو الى نقد مزدوج: ينصبّ علينا كما ينصبّ على الغرب، ويأخذ طريقه بيننا وبينه، فيرمي الى تفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم علينا، وهو يهدف الى تقويض اللاهوت والقضاء على الأيديولوجية التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة. ويبدو لي أن مثل هذا السبيل هو الكفيل بأن يدعم استراتيجيتنا: فيمكن البلدان التي تخضع لسيطرة الغرب – مهما كان شكل تلك السيطرة – من أن تدرك إدراكاً أحسن أسس الهيمنة الغربية، وتتخذ طريقها – بعيداً عن كل أصل ووحدة وهمية – نحو سؤال لم يسبق له مثيل.
تسير أبحاثي بخطى وئيدة في هذا الاتجاه، لذا انفصل بوضوح عن أشكال الخطاب الثلاثة التي تسود العالم العربي (التراثية والسلفية والعقلانية). فما الداعي الى هذا النقد الجذري؟ ذلك أن التراثية (إصلاحية كانت أم مطلقة) تسعى الى بلورة الوجود العربي في سؤال ديني لاهوتي في أساسه. أما السلفية فهي محاولة وهمية للتوفيق بين الدين والعلم بحسب مشروع تاريخي يرمي الى تحقيق إصلاحات أصبحت متجاوزة. وأخيراً فإن العقلانية، التي تعلي من شأن العلم، تنسى بفعل ذلك، المسألة الأساسية للاّشعور.
كما أنني أتجاوز النزعة التاريخية التي تفسر جميع المسائل عن طريق الأحداث التاريخية وترجعها الى بنيات تلك الأحداث. لقد كتب على العرب أن يعتنقوا النزعة التاريخية. وكان عليهم أن يعللوا انحطاطهم وتوسع الغرب بالرجوع الى قوانين التاريخ. إن النزعة التاريخية مرحلة ضرورية اقترنت بفترة الدعوة الى الوحدة القومية المطلقة واسترجاع الشعوب العربية لكياناتها وبلدانها. إلا أن تاريخ الفكر ذاته قد جاوز هذه النزعة فلم يعد لها من مسوغ، وعلينا أن نفسح المجال لفكر يتخلى عن الذاتية الحمقاء ليتمسك بالاختلاف…».
> الثلثاء 17/2/2009: قاع المدينة
نصف المصابيح مطفأ في قاع المدينة.
إنه آخر الليل والعمال يلملمون فوضى الساهرين.
أصداء موسيقى لم تصمت، وتعب لم يكتمل على السرير، وحب يرسم نهاره الخاص كاسراً العتمة بالعناق.
الخمسينيون يطرقون أبواب الليل فلا تفتح لهم، يلجأون الى الذاكرة. لقد كانوا هنا وكانت فتوتهم جذّابة فوق الأرصفة المتأنقة بالحسناوات واللغات.
في اللجوء الى الذاكرة حزن وشيء من وداع.
الخمسينيون لا تستقبلهم سهرات آخر الليل، أو انهم يجلسون في الزوايا بعيداً من صخب الفتوة، يكتفون بنظرات وبوعود بلا رجاء.
في قاع المدينة، تغطيهم معاطف وشالات صوف وقبعات فرنسية من الخمسينات.
ومثل الأشباح في ليل مدينتهم، هؤلاء الخمسينيون يطويهم الليل في كتابه الحاني ولا تنطفئ أضواؤه.
> الأربعاء 18/2/2009: بسام حجار
الشعر يأكل الشاعر.
لا يُبقي منه شيئاً، لا الجسد، لا الأهل، لا الحب العملي.
هكذا الشعر وهكذا بسام حجار.
مدينته صيدا تآكلت مدنيتها حين رحل الصحب وانطوت مرحلتهم. بقي مقيماً هناك لأنها قدره ولأنها صورته تحملها الريح الى هنا أو هناك فلا يقاوم، لأنه لا يأبه.
بسام حجار صار هو الشعر.
من صمته ومن نظام كتابته الصارم، ومن فكره الذي لا يترك خطاً إلاّ يوصله بطرفه الآخر، فمهما طالت المغامرة يكتمل الخيط في الدائرة.
وحيد في منتهى الوحدة، لكنه لا يُرى إلاّ مع صديق.
عرفته وما عرفته منذ أول كتابته الى أول موته، في غير مكان وغير مدينة وغير وطن. كانت الابتسامة المتأدبة نتبادلها وتكفينا، لا نطمح الى أكثر ولا نحتاج.
ورأيت نوعاً من الجدية الجافة في قصائده التي تعانق كمالها. والآن بعد غيابه، أراها من جديد القصائد التي شكلت صورته. انها الشعر الذي ابتلع الشاعر.
> الخميس 19/2/2009: إرادة الحياة
بعد أربعة أيام تنطلق في تونس احتفالات الذكرى المئة لميلاد الشاعر الراحل أبو القاسم الشابي، وتستمر حتى 9 تشرين الأول (اكتوبر) المقبل، الذكرى الخامسة والستين لوفاته.
حياته القصيرة (1909-1934) وقصائده تمثل صورة الشعر الرومنطيقي كما عرفه العرب في النصف الأول من القرن العشرين في قصائدهم الموضوعة وتلك المترجمة من الرومنطيقيين الفرنسيين والانكليز.
وكان الشابي الذي تعتبره تونس شاعرها، اتصل بشعراء في الاسكندرية والقاهرة، مصريين ومتمصرين، وتأثر بهم، خصوصاً خليل مطران وآخرين، مثل حسن كامل الصيرفي، اجتمعوا حول أحمد زكي أبو شادي وأصدروا مجلة «ابولو» المعبّرة عن الاتجاه الرومنطيقي، وقد نشر فيها الشابي في سنواته الأخيرة.
جسّد في حياته وقصائده صورة الرومنطيقي في حزنه ووحدته وانفتاحه على الطبيعة وفي أناشيد حبه الكسيرة، كما جسد الإنسان الفرد الحرّ المتمرد الذي يطلب الحرية لوطنه من قيود الاحتلال والتسلط. وقُدّر لهذا الشاعر أن يشتهر عبر قصيدته «إرادة الحياة» التي ترافقت مع النضال العربي من أجل الاستقلال (لحن القصيدة وغناها حليم الرومي وغنتها من بعده ابنته ماجدة الرومي):
إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أنْ يستجيبَ القَدَر
ولا بُدَّ لليلِ أنْ ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أن ينكسر
ومن لَمْ يُعانِقْهُ شوقُ الحياةِ
تبخَّر في جوِّها واندثر
فويلٌ لمنْ لَمْ تشُقْهُ الحياةُ
مِنْ صفْعَةِ العَدَم المُنْتَصِر
كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ
وحَدّثَني روحها المستتر (…)
إذا ما طمحتُ الى غايةٍ
ركبتُ المُنى ونسيتُ الحَذر (…)
فَعَجَّتْ بِقَلْبي دماءُ الشباب
وضجَّتْ بصدْري رياحٌ أُخَر (…)
وقالت ليَ الأرضُ – لمّا سألْتُ:
«أيا أُمُّ هل تكرهينَ البَشَر؟»
أُباركُ في النّاس أهلَ الطموحِ
ومَنْ يستلِذُّ ركوبَ الخَطَر.




















