الحياة – 20/02/09//
في إشارة واضحة الى السرعة التي اصبحت عليها وتيرة التحولات الجارية داخل البيئتين الثقافية والسياسية التركية والكردية العراقية، إلتأم في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يومي 15 و 16 من شهر شباط (فبراير) الجاري، مؤتمر حواري واسع تحت شعار «لنبحث معاً عن السلم والمستقبل»، شارك فيه نحو 150 مثقفاً وأكاديمياً وصحافياً تركياً وكردياً من العاملين في كبريات الجامعات والصحف والمنتديات الثقافية في تركيا وكردستان العراق.
يشار الى أن العلاقات التركية الكردية (العراقية) مرّت خلال السنوات الست الماضية بمرحلة شديدة التشنج والإحتقان. لكن جهوداً حثيثة بذلتها واشنطن أفضت خلال الاشهر الستة الماضية الى تحسن لافت.
أكثر من مصدر كردي مطّلع يؤكد أن هذه العلاقات وصلت الى مرحلة متقدمة، لا أقلّها أن الطرفين ينهمكان في محادثات مكثفة غير معلنة بهدف إيجاد آلية سلمية لحل مشكلة إنتشار مجموعات قتالية تابعة لحزب العمال الكردستاني في مناطق نائية من كردستان العراق.
ويشار الى أن الحكومة التركية أطلقت مطلع العام الجاري بثاً تلفزيونياً باللغة الكردية على مدار الساعة، إضافة الى سماحها بتدريس اللغة الكردية في جامعتين من أهم جامعاتها. تأتي هذه التطورات في إطار سياسة جديدة تبنتها أنقرة بهدف تحسين الوضع الثقافي الكردي بعدما إقتنعت، في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، أن الخيار العسكري لم يعد ناجعاً في مواجهة نشاطات حزب العمال وتهدئة الإضطرابات في المناطق الكردية شرقي تركيا.
في الواقع، حرص الطرفان المشاركان في المؤتمر، التركي والكردي، على إضفاء طابع غير حكومي على أعماله. إلا أن الإشارات أوضحت أن أنقرة وأربيل وقفتا بقوّة وراء عقد المؤتمر ودعمه وتوفير مستلزمات نجاحه. وكان لافتاً حضور القنصل التركي في الموصل، الى جانب محافظ أربيل وعدد من المسؤولين المحليين، أعمال الجلسة الإفتتاحية، وتأكيدهما أن الوقت حان لتطوير العلاقات التركية الكردية وتوسيع آفاقها في مختلف الميادين الثقافية والإتصادية والديبلوماسية.
في الحقـيـقـة، شـارك فـي تنـظيم المؤتمر الذي استمر يومين، ثلاثة مراكز ثـقـافـيـة وأكاديمية تـركيـة وكـرديـة: منـتـدى ابانت التركي وجامعة صلاح الدين ودار (موكريان) للنشر الكرديتان العراقيتان. معروف أن منتدى بارنت أحد أهم المنتديات الثقافية والأكاديميـة في تركيا، مقره الرئيسي في اسطنبول، ويشرف على نشاطاتـه المفـكر الإسلامـي المعتدل، المقيم في الولايات المتحـدة، فتح الله جولان. ومعروف أن جولان الذي يشتهر بأفكاره وطروحاته الإسلامية المعتدلة، وبينها دعـوتـه الصريـحة الى التصالح بين الدين والديموقراطية، يعتبر أحد أهم أصحاب النفوذ على التوجهـات السياسية والفكرية لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
ساد أعمال المؤتمر جوّ من الرفقة والألفة والتفاهم قلما أحسّت بها في السابق الأوساط الثقافية والأكاديمية التركية والكردية. بل أن بعض المشاركين الأتراك لم يخف إستبشاره بالمؤتمر، خصوصاً أن الحديث عن عقد مؤتمرات أو اجتماعات أو نشاطات ثقافية مشتركة كان محظوراً قبل نحو عام. أما الآن، فإن الصورة تغيرت بعدما أصبحت الفرصة مواتية نتيجة التغييرات السياسية والثقافية الحاصلة في تركيا.
وبين هذه التغييرات أن رئيس غرفة تجارة مدينة ديار بكر، غاليب انساري أوغلو، أكد في ورقة قدّمها خلال المؤتمر أن عودة كركوك الى الهيكلية الإدارية لإقليم كردستان العراق ستفيد المصالح التجارية والإقتصادية والسياسية التركية. الى ذلك، رأى المحلل السياسي والخبير التركي جنكيز تشاندار في ورقته أن مصالح الإستقرار والبناء والتنمية المتبادلة في المنطقة تتطلب التطبيع التركي مع كردستان العراق، مؤكداً أن إنسحاب القوات الأميركية من العراق في الفترة الزمنية المقبلة سيخلق أجواء في المنطقة لا يمكن معها للطرفين سوى اللجوء لمنطق التعاون المبتادل، خصوصاً أن التاريخ المعاصر يؤكد أحقية الأكراد في التمتع بذاتيتهم والتعاون مع فضائهم الإقليمي في جو من الثقة المتبادلة بحسب تشاندار.
في ورقة ثالثة، شدد مشارك تركي آخر على ان بلاده التي عاشت لعقود في قبضة الإنعزالية القومية، بدأت تقتنع بأن مشكلة حزب العمال لا تنبع من أراضي كردستان العراق، بل من داخل تركيا نفسها، مضيفاً أن من الخطأ إعتبار الحالة السياسية الكردية في العراق مسؤولة عن إستمرار مخاطر حزب العمال ونشاطاته الإرهابية. فالمسؤول الأول عن ذلك، في رأيه، هو الممارسات العسكرية والقمعية التي انتهجتها الدولة التركية في تعاملها مع الإثنية الكردية.
أما المشاركون الأكراد فإنهم لم يخفوا حماسهم لإستمرار الحوار في سبيل تعميق التفاهم المشترك. المحلل السياسي الكردي كاروان عقراوي أكد في ورقته أن التعاون التركي الكردي سيفيد تركيا وكردستان العراق. في الوقت عينه، سيفيد استقرار العراق وإزدهاره الإقتصادي والسياسي والثقافي، مشدداً على ضرورة تطوير العلاقات بين الطرفين وتوسيع آفاقها في مجالات التنمية الإقتصادية المتبادلة والتفاعل الثقافي.
يشار الى أن المؤتمر أصدر في ختام أعماله بلاغاً شدد على تطوير العلاقات بين تركيا وحكومة إقليم كردستان العراق، لأن هذه العلاقات، بحسب البلاغ، ستسهم في تعزيز السلم والإستقرار في المنطقة بحسب البلاغ الذي شدد في نهايته على أن المشاركين في المؤتمر يرفضون كل سياسة تقوم على آيديولوجيات قومية وعنصرية.
* كاتب عراقي كردي.




















