عبدالله اسكندر
مهما حاولت السلطات السودانية تطمين نفسها، وانصارها في الداخل، الى ان توجيه اتهامات الى الرئيس البشير امام المحكمة الجنائية الدولية لا يعني سوى استمرار «المؤامرة» على البلد، فإن ذلك لا يلغي حقيقة ما يحصل في اقليم دارفور.
ايام قليلة تفصل عن اعلان الاتهامات في الرابع من الشهر المقبل، والتي سيحيلها قضاة المحكمة الجنائية على مجلس الامن. وتراهن الخرطوم على العمل الديبلوماسي، في الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية، من اجل مواجهة هذه الاتهامات ومنع اصدار مذكرة التوقيف ومثول الرئيس البشير امام المحكمة. ومن غير المرجح ان تحصل تطورات على الارض في دارفور، او داخل السودان، في هذه الايام القليلة تدعم هذا العمل الديبلوماسي، وذلك بعدما اهدرت الخرطوم وقتا طويلا قبل مواجهة الوضع الدارفوري الكارثي، والتعامل مع جدية الاهتمام الدولي بالجرائم التي شهدها الاقليم، منذ اندلاع القتال فيه. وبعدما هُدرت فرص كثيرة ووساطات عدة، من دون التوصل الى منع الاعتداء على الدارفوريين وتهجيرهم وقتلهم، وإحلال السلام في الاقليم.
حتى انه خلال مفاوضات الدوحة، قبل ايام، كان اطلاق النار مستمرا في دارفور وكانت الهجمات المتبادلة مع المتمردين متكررة. ولم ينص الاتفاق الاطار مع حركة العدل والمساواة حتى على وقف القتال، واكتفى بإجراءات حسن نيات، ستتجاوزها بالتأكيد التطورات الميدانية.
الاسرة الدولية، خصوصا الامم المتحدة ومجلس الامن، طالبت الخرطوم دائما بإيجاد السبل لوقف الانتهاكات في دارفور، خصوصا ان القوى المرتبطة بالحكومة المركزية هي التي تقوم اساسا بهذه الانتهاكات. فاعتبرت الخرطوم ان رفع الانتهاكات عن مواطنيها يعني الخضوع للاملاءات الدولية وتعريض سيادتها للتهديد. وكثيرا ما وقف الرئيس البشير ليقسم بأغلظ الايمان انه سيحول السودان مقبرة للغزاة الذين يتهمهم بالوقوف وراء اشاعة الانتهاكات، ليحول كارثة دارفور الفعلية الواقعة على مواطنيه أداة في تصليب موقفه الداخلي في وجه معارضيه وخصومه الداخليين من جهة. ومن جهة اخرى، تبرير استمرار التغاضي عن مرتكبي الانتهاكات وقياداتهم، ورفض تقديمهم الى المحاكمة في تهم مثبتة وموثقة.
ويبدو ان حملة التضامن مع الرئيس البشير، خصوصا العربية والافريقية، عندما بدأت تتسرب معلومات عن توجيه المحكمة الجنائية اتهامات اليه شخصيا، لم تجعل الحكم السوداني يعيد النظر في موقفه من ازمة دارفور ويدرس مقاربة جديدة للمشكلة توقف الكارثة الانسانية وتلبي مطالب سكان المنطقة في الامن والغذاء، وتلبي حقوقهم السياسية. لا بل استمر في سياسة الاغراءات الفردية واجتذاب شخصيات دارفورية الى الحكم، لافتعال انشقاقات في صفوف المتمردين بهدف اضعافهم. وكذلك توسيع دائرة الازمة الى تشاد والجوار السوداني، من اجل وضعهما في سياق المؤامرة الدولية على السودان.
لكن كل هذه الممارسات لم تجلب السلام الى دارفور ولم تؤد الى رفع المعاناة عن اهله. لا بل تفاقم الوضع الانساني في الاقليم مع كل خطوة تسوقها الخرطوم على انها بداية السلام. بكلام آخر، لم تسهم المقاربة السودانية الحكومية للأزمة في اي تحسن للوضع في دارفور، ولم تقدم السلطات السودانية على اي خطوة جدية لرفع المعاناة عن مواطنيها الذين كانت اوضاعهم اسوأ بكثير لولا مساعدات المنظمات الخيرية الاجنبية وغير الحكومية.
واليوم، وبعد كل ما حصل ومع اقتراب توجيه الاتهامات رسميا، لم تقدم الخرطوم على اعادة نظر في طبيعة المشكلة الدارفورية وأسبابها ودوافعها الداخلية وحلولها. قد تعتبر السلطات السودانية ان المنقذ من هذه الخطوة التي لا بد منها، يكمن في السعي الى الاستثمار السياسي لطلب توقيف رئيس، عبر تحريك الاصدقاء في العالم، والتحذير من اخطار الخطوة على الاستقرار السوداني. لكن هؤلاء الاصدقاء، بمن فيهم العرب والافارقة والروس والصينيون، لم يتمكنوا من انتزاع وعد من مجلس الامن بإرجاء تطبيق مذكرة التوقيف حتى الآن، نظرا الى حجم الانتهاكات الموثقة وانعدام افق الحلول. اما الاستقرار السوداني فيهدده استمرار المأزق الدارفوري، وكذلك المشكلة مع الجنوب ومحاولات متكررة لضرب المعارضة الشمالية.
لقد اوصلت السلطة السودانية نفسها الى المأزق الحالي، بفعل تنكرها للكارثة الدارفورية واعتماد القوة العسكرية الحكومية والميليشياوية لمواجهة التمرد، ورفضها تقديم التنازلات الضرورية لمواطنيها لطمأنتهم الى تمتعهم بحقوق المواطنة والحياة الكريمة، وايضا فهمها الخاطئ للرسائل الخارجية التضامنية والتحذيرية.




















