الحياة – 25/02/09//
من حق السوريين أن يقولوا إنهم لم يبدأوا بعد حواراً يطوي صفحة مع الإدارة الأميركية. وفي هذا القول صحة إجرائية، لكنه ليس قولاً مطلق الحكم. من حقهم هذا، لأن الأميركيين لم يبدأوا حواراً على مستوى الإدارة، مع أن الدعوة إليه قد وجهت إليهم، أي ان الأمر قد قضي. والحوار يمر حالياً عبر القناة التشريعية بشقيها في مجلس الشيوخ والنواب. وهذا لا يعتبر حواراً رسمياً لغياب موقت، أو غير ظاهر، للإدارة الأميركية التنفيذية عن ممارسة فعل ديبلوماسي معلن مع سورية.
ومن حق الولايات المتحدة ألاّ تبدأ من البداية الساخنة هذه والتي وضعت ملف الحوار مع سورية على نار حامية، بحوار ديبلوماسي مُعلن في الأسابيع الأولى من إدارة الرئيس الأميركي، على أبعد حد، لأنها تعرف أن مشروع الإدارة السابقة قد هزم، وأن دمشق كانت اللاعب الأبرز في هزيمته. ولأن أميركا دولة عظمى، فإنها تغطي هزيمتها بعدم مباشرة انكسارها. فالمعادلة هي: دولةعظمى هزمت لكنها لم تُكسر.
لكن هذه الإدارة تعرف تماماً أن سورية هي الحِلُّ والعقد في المنطقة. لذلك بدأت بالانفتاح على سورية عبر الإشارات والتلميحات. وهي تتجاوز هنا الإشارات فعلاً إلى مباشرة الحوار لأسباب: أولها، أن أعضاء الكونغرس لا يأتون من عندياتهم ومثال ذلك أنه في عام 2006 منعتهم الإدارة الأميركية من القدوم إلى دمشق. وعليه، فإن كل من يأتي إنما هو في مهمة رسمية. ثانيها، أن هؤلاء يأتون على مستويات عالية جداً في الكونغرس، كأن يأتي في يوم واحد رئيسا لجنتين للعلاقات والشؤون الخارجية في المجلسين التشريعيين (الشيوخ والنواب) ويمهد قبلهما لذلك عبر لجنة واسعة. ثالثها، أنها قد دعت إلى حوار مع الديبلوماسية السورية عبر السفير السوري.
لن تستطيع الإدارة الأميركية الحالية أن تتأخر عن دمشق فلديها ملفات واسعة وعاجلة في المنطقة وعلى رأسها «استراتيجية الخروج» من العراق، أو على الأقل «فك الاشتباك»، وهي ليست عاجلة فقط لأن إدارة أوباما ربحت على الجمهوريين سياسياً على قاعدة الانسحاب من العراق، إنما بسبب العودة إلى السياسة الواقعية بديلاً من الناتئة الإيديولوجية المتمثلة في مشروع المحافظين الجدد وبالتالي تصفية آثار تجربة هؤلاء، وهي تتقاطع هنا مع الرؤية السورية التي تريد تصفية آثار العدوان على المنطقة بدءاً من إلغاء مبدأ الحرب الاستباقية والاعتداء على السيادة وصياغة مبدأ الإملاءات. وأيضاً لأن الأزمة المالية الأميركية تحتاج إلى تسارع في الخروج من هذا المأزق الإقليمي الدولي، والذي لا حل له إلا برزمة جيوسياسية تبدأ من عملية السلام (ولهذا تم تعيين ميتشل) وتنتهي في العراق.
اذن، لا تزال هذه الإدارة تناور خلال الشهر الأول من استلام أوباما، لكنها تتحرك بسرعة، فهي تجس النبض وترسل مبعوثين كباراً، وتحاول أن توحي أنها لا تنكسر. سورية تفهم ذلك وتتعامل معه من منطقين: الأول،أنها في موضع قوي وبالتالي لا بد من العودة إليها، وهي في حكم تقاليدها السياسية لا تمارس أهازيج احتفالية بانتصاراتها. الثاني، أن كل هذا لن يطول إن قليلاً أو كثيراً.
يريح هذا المكوك غير المتصاعد بعض الذين تورطوا في موالاة الإدراة الأميركية بحقنة تخدير موضعي لأن منطق بعض هؤلاء يتوهم، وأحياناً يمارس الوهم عن قصد، أن لا انفتاح إلى حد التفاهم الإقليمي مع سورية.
حسناً، السوريون ليسوا مستعجلين كعادتهم لقطف ثمار سياستهم. فالثمرة التي تأخذ حقها من النضج عبر الوقت تغدو أكثر إمتاعاً. فالمعادلة أصبحت أكثر من واضحة وتحكمها اللغة الاستراتيجية التي تقول «إن آخر من يطلق طلقة هو الذي يحكم» وإن للمنتصر أن يفرض شروطه، وعلى المهزوم أن يقدم للمنتصر مائدة الطعام.
عنيدة هي دمشق، لكنها تعرف أنها «السر الشخصي» للمنطقة في ظل صراع مزمن هي الطرف الرئيس فيه. اي الصراع العربي – الإسرائيلي، وبحكم الصدفة كان الوجود الأميركي قد سقط في خطأ استراتيجي في دولة حدودها مع سورية نحو 600 كيلومتر.
كان لهذا الوضع مخاطر وامتيازات. المخاطر يعرفها الجميع وعلى رأسها حشر سورية بين فكي كماشة صراعين. والامتيازات أنها بحكم كونها السر الشخصي للمنطقة وبإدارة «عقلانية إرادية» للصراعين هزمت الأول ومنعت الثاني من التمدد، فيما انفتحت شمالاً وأدرجت تركيا بعيداً من عدائها في قضايا الصراع بشقه الديبلوماسي.
عناد دمشق من النوع الذي يعرف أنها «ممنوعة من الصرف»: تعرف أنها قوية ولا تستعرض، وتعرف مخاطر وضعها ولا تخاطر. تغامر نعم، ولكنها لا تخاطر. تمسك معادلة المنطقة إقليمياً من الوسط : إيران في دبلوماسية العنف وتركيا في ديبلوماسية السلم. فلسطين هي محور الصراع ولا دخول في صراعات دونكيشوتية بعيداً من الصراع الرئيس فيها. ولبنان لا يجب أن يبقى ساحة عمليات في الرواق الخلفي لاستخدامه ضد قضايا العرب. أما العراق فمحكوم بـ«استراتيجية الخروج»، هذه الرؤية الأخيرة لم تكن نبوءة سورية قديمة فحسب، إنها طبيعة الأشياء. والسوريون مستعدون للمساعدة في هذا الاتجاه. وحانت ساعة الحقيقة.
هنا تلاقت النبوءة وطبيعة الأشياء من ناحية، مع الحاجة الأميركية لتصحيح الخطأ من ناحية أخرى. إذن، تلاقت الحاجة مع الإرادة لإزالة آثار العدوان مع استراتيجة الخروج.
من يملك المفتاح؟ دمشق. ولهذا فإن المدينة القابعة على سفح جبل تنام في العسل،لأن من يدير شؤونها من أعلى الجبل يعرف أن المعادلة باتت عنده منذ زمن، وهو من النوع الذي امتهن قضم الوقت وربح الزمن.
الانفتاح على سورية هو من طبيعة الأشياء أيضاً. وسنشهد بدء الحوار الرسمي الأميركي (التنفيذي) قريباً جداً. فالوفود الأميركية تتحدث عن حوارات مثمرة. وطبيعة السياسة أيضاً أن تصريحات بعضهم من خارج دمشق ليست كما يقولون في غرفها. وهذه أيضاً طبيعة الأشياء. جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بالوكالة (لم يثبت بعد)، هذا يحاول أن يترجم قرار وزيرته بالحوار مع سورية بطلب لقاء مع السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى، وليس «استدعاء» بحسب ما نقل البعض مزوراً، بطريقته للحوار معه في قضايا عّبر عنها علناً وتتمحور حول: علاقة سورية بالمجموعة الإرهابية، (هكذا)، لبنان، وحقوق الإنسان. صحيح أن اللافتة هي رغبة الوزيرة هيلاري كلينتون في التحدث في شكل مباشر مع سورية، إلا أن الأجندة المعلنة، التي تم تحويلها عبر بعض الإعلام التحريضي إلى تناول المسألة النووية المزعومة، هي من النوع الذي يمكن وصفه أيضاً بالمستحاثات. ففيلتمان يريد الحفاظ على أجندة «المحافظين الجدد» في الإدارة الجديدة، وكأن السفير السابق لم يتعلم لغة السياسة بعد، أقله لجهة الاعتراف بهزيمة ذلك المشروع وفي الحد الأدنى لجهة الحفاظ على منصبه تمهيداً لتثبيته، إنه ببساطة يلعب خارج ملعب رئيسة الديبلوماسية الأميركية الحالية.
في أروقة أجواء زيارات وفود الكونغرس الى دمشق، تقول لأحدهم: الأميركيون يريدون أن يظهروا وكأنهم لا يقدمون تنازلات معلنة، فيجيب بواقعية سياسية: «قدموا التنازل وبقي إكمال الإخراج. أنتم في سورية مرة أخرى تحلّقون عالياً. تهانينا.
* رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيـــجيــة في دمشق.




















