من زمااااان قبل أربعين عاماً وعاماً..كانت حكايا الانقلابات تملأ فضاءاتنا الخاصة : رداً، وثأراً، وتعويضاً عن المفقود الذي تسرّب من بين الأصابع في وضح النهار، وربما حقناً لذهن انتظاري نشأ وتعضدى ووقف، وعاش علة حلم القادم .. واستمر الحكي عن الانقلاب الموعود النابت في رحم المولود فتهاطلت علينا (الأخبار الموثوقة) عمّ دقّ كأس فلان القائد المسجون، ومن غنّى موالاً (قوياً) بحضور ذوي” هيبة ونفوذ ونجوم كثيرة”، ثم مسلسلات عن مواعيد قادمة، وكلمات سرّ أعطيت، وساعة صفر حددت.. واسماء أعلنت، ووزراء نصّبت، وتحالفات نهضت، ونياشين وأوسمة علّقت، وبذلات جديدة فصّلت ……….
ـ كنا قيادة العمل السري للبعث المغدور الذي أطاح به الأسد عنوة، وبقوة السلاح والكيد والفئوية التي كانت بجحة وفاقعة.. وكنا نمتلئ بأفكار الثورة الشعبية، والنظيرية الثورية، ورفض الانقلابية التي تعيدنا إلى (المربع الأول ـ التي لا تشبه بالتأكيد مربّعات البوق خالد العبود) بتعزيز دور المؤسسة العسكرية التي نرفض، وركوبها على الحزب من جديد.. فرفضنا هذا (العمل الاستباقي) الذي لم نجد مرتسماته على الأرض ..
ـ ولمن لا يعرف فقد قطع الأسد : العسكري، المتمسك بالسلطة التي لم يحلم بأنه صار سيدها الوحيد، كل طرق الانقلابات التقليدية عبر تصفية وإبعاد جميع الضباط، ومن مستويات مختلفة، الذين يشكّ بولائهم المطلق له، أو بشبهة وجود نوايا لديهم، وقد لعبت المخابرات الجوية، والعسكرية بقيادة الثنائي : محمد الخولي، ومحمد ناصيف (إياه)، وعلي دوبا لاحقاً دوراً مهمة في غربلة الجيش وكبت أنفاسه، وزرع الرهبة والشك والحذر بين الجميع وكأنّ الجميع من كبار الضباط يكتبون تقاريراً بالجميع،وعيونهم على بعضهم، بينما كانت سرايا دفاع رفعت الأسد ومعه عدنان مخلوف، وكومة من المقرّبين، والوحدات الخاصة برسم علي حيدر تطوق العاصمة من جميع الجهات، وتحرس التلفزة والإذاعة(المكان الطبيعي للبيان رقم واحد) ووزارة الدفاع، وآمرية الطيران وكافة المواقع الاستراتيجية.. حيث بدا أي مشروع انقلابي مستحيلاً..خصوصاً والأسد في صعود، ويلقي الوعود والعطايا والشعارات في كل الاتجاهات.. وبعض الناس (تأملت خيراً به) في أن ينهي حكم البعث، ولو كان وجوده شكلياً لاقتران الاسم بالأحادية، والتشدد، وبالهزيمة الحزيرانية، ونفي الآخر، وإعدام الحريات الديمقراطية ……
ـ وعلى ذلك عمل على تسريح، وإبعاد جميع الضباط ( المحسوبين) على القيادة، ثم قام بحملات اعتقال متتالية لهم.. بينما لم تتقوف حكايا مشاريع الانقلابات الموعودة ..
ـ وفي واحدة من الدردشات مع أحد الأصدقاء، وكان ضابطاً في الجيش يروي حنقه على الأسد.. وأنه كاد ينفجر عندما رآه يمر أمامه أمام الجامع الأموي، وكانالصديق ضمن الحرس الذي يفترض أنه يحمي الأسد وهو في طريقه للصلاة بالجامع الأموي.. وأن صديقنا المزوّد بروسية فيها أربعين طلقة…. كاد أن يفور دمه و”يفرّغ المخزن بالمجرم“..
وتنهّد عميقاً، وأعرف أن كلامه يصدر عن صدق، وعن قلب محقون بالحقد على الطاغية.. لكنه لم يكن ينتظر ردّي وأنا أجيبه : ولم لم تفعلها؟؟…
ـ ارتبك لأنه فعلاً لم يكن يعرف جواباً، فقال بعفوية : وحدي ؟؟..قلت : نعم وحدك إن كنت مقتنعاً..
ـ قال : هذا كلام خطير يؤدي إلى حبل المشنقة ..
ـ قلت : وهل الحديث بالانقلابات وإسقاط النظم للتسلية؟، أم أنه من نفس العيار..؟، فارتبك.. ثم غمغم موافقاً ..
***
ـ وعلى ذكر الانقلابات وفشلها، وحكاويها.. يعرف من عاش تلك المرحلة أن القيادة الحزبية اتخذت أواخر العام 1968، وقد أسفر الأسد عن تكتله،وراح يطحش بقواه ويضغط، اتخذت قراراً بالمواجهة، وسلّحت الحزب واستنفرته لتنفيذ القرار..
ـ وعندما كنا ننتناقش ـ نحن الشباب ـ أيامها ـ بالهدف من هذا الحشد الحزبي، وبوسائل تنفيذ القرار لم يكن يخطر على البال سوى أن القيادة تحضّر الأجواء لتحرك(ضباط الحزب) وتصفية التكتل بالقوة العسكرية التي يمكن أن يساندها الحزب المدني، وليس غيره وليس العكس.. وكنا نعرف أن الشهيد عبد الكريم الجندي : عضو القيادة القطرية، ورئيس مكتب الأمن القومي، وفارس فرسان القيادة.. يطرح تصفية حافط مباشرة، وأن ذلك ممكن وعبره..
ـ وعبر اختلاطات وتداخلات كثيرة.. وحكايا أكثر..قُتل، أو انتحر(كما هي الرواية الرسمية) عبد الكريم الجندي وجه الصبح..وبقي الأسد وزيراً للدفاع.. ثم قائد انقلاب التفحيح ..
ـ مراراً طرحت مع عشاق، أو دعاة الانقلاب العسكري .. فكرة تغيير الأسلوب.. باستهداف الرأس، لأن الوصول إليه قد يحقق المراد.. وكان الجميع يجمع أن النظام هو حافظ الأسد، وأن غيابه يعني فرط السبحة وتفتتها، ويعني مرحلة جديدة.. واستغربت أكثر من مرة لماذا لا يتجه هؤلاء نحو هذا الهدف بدل تلك الخسائر الكبيرة التي نجمت عن التفكير بانقلاب غسكري، عبر التسريح، والاعتقال وحتى اغتيال البعض تحت التعذيب، أو في السجون ؟؟..
ـ اليوم والحكايا كثيرة، والعيون تتطلع إلى يوم الخلاص من الطاغية، وشعار إسقاط النظام، بل إسقاط الرئيس.. يجوب الآفاق، والكل يعلم أن المتحكمين بالقرار، والجيش، والأجهزة كمشة من العائلة والحواشي..فلماذا لا يكون الخلاص بعملية جراحية صغيرة تريح البلد من الطغمة، وتفتح الطريق لمرحلة انتقالية محددة لتأسيس بنيان الدولة المدنية الديمقراطية ؟؟… سؤال برسم الذهن، والمعنيين جميعاً بهذا الشأن ..
كاتب وروائي ـ الجزائر




















