ارتدت الانتخابات الرئاسية الأميركية طابعاً تاريخياً، بعد التعثر الكبير الداخلي والخارجي للإدارة الجمهورية على مدى ثماني سنوات، خصوصاً لرمزيتها بفعل الموقع الذي وصل إليه للمرة الأولى مرشح أفرو – اميركي. وبعد حماسة الحملة الانتخابية، في الولايات المتحدة والعالم، وما تخللها من مواقف هدفها الاستقطاب الانتخابي قبل كل شيء، سيعود الرئيس الأميركي المقبل الى الواقع من أجل التعامل مع الملفات الأساسية التي ستواجهها إدارته، خصوصاً تلك الموروثة عن فترتي رئاسة الرئيس جورج بوش.
الرئيس المقبل لن يعرف اسمه إلا بعد ظهر اليوم على أقرب تقدير، وفي حال كان الفوز واضحاً وصريحاً، وسواء كان الجمهوري جون ماكين او الديموقراطي باراك اوباما الذي ترجحه التوقعات في حال لم تحصل مفاجآت اللحظة الأخيرة، لن يتمكن من الإفلات من إرث بوش، وحتى شعاراته، رغم ان حملة المرشحين قامت اساساً على الابتعاد عن هذا الإرث ونقده.
فعل بوش كل ما فعله، من حروب وأزمات سياسية واقتصادية، تحت شعار جعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمنا. لكن مقاربته الايديولوجية التي تقوم على الآحادية والفوقية والمسيحانية، عممت التهديدات في أميركا والعالم.
فالحروب التي تخوضها الولايات المتحدة مع حلفائها، خصوصاً في العراق وافغانستان، لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة، لا بل وسعت دائرة الاضطراب وأدت الى تشكل عناصر جديدة لعدم الاستقرار.
في موازاة هذا الواقع السياسي والعسكري في العالم، أنهى بوش ولايته بأسوأ أزمة مالية واقتصادية في الولايات المتحدة منذ نهاية عشرينات القرن الماضي. وانتقلت هذه الأزمة لتطول اقتصاديات كل الدول المتقدمة، وحتى الناشئة والفقيرة.
وباتت محاصرة هذه التهديدات، بأوجهها السياسية والعسكرية والاقتصادية، أولوية ملحة في الولايات المتحدة والعالم. وبغض النظر عن فروقات المقاربة للمعالجة بين اوباما وماكين، فإن الرئيس الاميركي المقبل سيكون مضطراً للعودة الى شعار استعادة الأمن العسكري والاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم. وإن كان هذه المرة، سيكون مجبراً على مراعاة مصالح الدول الاخرى في هذه المقاربة، كما فعل بوش متأخراً بالنسبة الى افغانستان والازمة المالية.
وبهذا المعنى سيكون التحدي الأساسي أمام الرئيس الاميركي المقبل هو كيفية التعامل مع الشعار الذي رفعه بوش بعد هجمات 11 ايلول (سبتمبر)، وهو جعل العالم أكثر أمنا، بعدما حوله التدخل العسكري الاميركي واطلاق الرأسمالية المتوحشة من أي عقال أكثر خطراً.
ويبدو ان ادارة بوش اكتشفت في الاسابيع القليلة الماضية حجم المأزق الذي زجت به الولايات المتحدة والعالم. فسعت الى أن تنهي ولايتها بمقاربة أكثر براغماتية وأقل ايديولوجية. وهذا ما تجلى في تدخل وزارة الخزانة للحد من انهيار السوق المالي ومدخرات ملايين الاميركيين وطلب المساعدة من الحلفاء لتخفيف أعباء هذه الأزمة. فيما راحت واشنطن تكثر الاشارات الى ايجاد صيغ مصالحة في افغانستان، مسرح العمليات الاساسي في الحرب على الارهاب.
أي ان الادارة الجديدة ستكون مضطرة، بفعل آثار الازمات على الداخل الاميركي، الى توسيع دائرة هذه البراغماتية، عبر زيادة التعاون مع الحلفاء والدول الكبرى، وصولاً الى إعادة تعويم دور الامم المتحدة، خصوصاً في القضايا الدولية الملتهبة، حيث لم تعد أميركا قادرة وحدها ان تتحمل اعباءها، الاقتصادية والعسكرية.
"الحياة"




















