الحياة – 03/03/09//
برعت دولٌ كثيرة في مقدّمها الدولة العبرية، كما نجحت أممٌ عدة أذكر منها الأمة الفارسية في لعبة توزيع الأدوار بحرفية وإتقان، بينما فشلنا نحن العرب في ذلك بامتياز واضح. فنحن مغرمون بالصوت الزاعق والتخوين السهل وتبادل الاتهامات والتراشق بالملاسنات ولم نسمح لأنفسنا أبداً أن ننجح في هذه اللعبة السياسية ذات الأهمية البالغة في توزيع المواقف بين القوى السياسية المختلفة أو الدول داخل إطار الجماعة الواحدة ولا حتى بين الأفراد من ذوي التوجهات المتباينة وذلك في حد ذاته إخفاقٌ مشهود للأمة العربية عموماً والشعب الفلسطيني بخاصة، ذلك لأننا لم نتمكن – حتى الآن على الأقل – من توظيف اختلافاتنا لصالحنا، ولم ننجح في توزيع الأدوار وتنويع المواقف لخدمة هدف معين، والنتيجة دائماً هي انقسامٌ عربي يعود سلباً على العمل المشترك، أو تشرذم فلسطيني يضرب القضية العادلة في مقتل ويسيئ إلى صورة الأمة وشعوبها عندما يتحول الاختلاف من ميزة إيجابية إلى نقمةٍ سلبية. ولعلي أستطيع الآن أن أبسط شيئاً مما أجملته في هذه المقدمة القصيرة لكي ندخل إلى هذا الموضوع المهم الذي يجب أن يعتمد على رؤيةٍ واضحة وتصورٍ كامل لطبيعة البيئة السياسية إقليمياً ومناخ العلاقات الدولية بأطرافها المختلفة، وسأوجز ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولاً: يقف الفلسطينيون أحياناً، بل والعرب دائماً، يتابعون مسرح الحياة السياسية في إسرائيل ويرصدون تطورات البورصة السياسية في ذلك الكيان الاستثنائي العدواني الذي لا نظير له في عالمنا المعاصر، فمن قائل إن نتانياهو سيشكل الحكومة، وآخر يقول ربما كانت ليفني أفضل لنا، ويتساءل ثالث ولكن كيف لنا أن نتعامل مع الإرهابي ليبرمان بعد الفوز النسبي لحزبه «إسرائيل بيتنا»، وقد نسي الجميع أن هؤلاء جميعاً مضافاً إليهم باراك وشمعون بيريز وحتى إسحاق رابين مروراً بغولدا مائير وصولاً إلى بن غوريون إنما يمثلون فكراً مشتركاً وغاية واحدة، وأن الاختلافات بينهم إنما هي في الأسلوب فقط بينما الأهداف لا تختلف أبداً وهي قهر الفلسطينيين وإذلال العرب والتواجد القسري في المنطقة من دون اهتمامٍ بمفهوم التعايش المشترك ومستقبل الاندماج الطوعي مع دول المنطقة، بل إنهم يقومون بتوظيف المساحة الديموقراطية لديهم في تعزيز الأفكار ذاتها والترويج للأهداف نفسها.
ثانياً: إذا نظرنا إلى الساحة الإيرانية فإن الــفرس برعوا هم أيضاً – خصوصاً في السنوات الأخــــيرة – في لعبة توزيع الأدوار، فها هو أحمدي نجــــاد يمضي في تصريحاته الحادة معبِّراً عن التشدد الإيراني تجاه القضايا المختلفة، بـــدءاً من إنكار «الهولوكوست» وصولاً إلى التشكــــيك في عروبة بعض دول الخليج، بينما يقف محمدـ خاتمي على الجانب الآخر نموذجاً للتوازن والتعايش يتحدث عن «حوار الحضارات» وقــــــبول الآخر واللجوء إلى النغمة الهادئة في التعامل مع العالمين الإسلامي والعربي بل ومع أوروبا أيضاً ويقبع في الظل محرك خطير للسياسة الإيرانية متمثلاً في الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني بكل ما يمثله من توجهاتٍ معتدلة ومحاولاتٍ صامتة للتقارب مع الولايات المتحدة الأميركية، ولم نسمع أن أحد هذه الأطراف الإيرانية قد خوَّن الآخر أو اتهمه ببيع قضية بلاده أو التفريط في حقوقها مثلما نفعل نحن العرب.
وما زال الجميع يترقب من سيكون الرئيس الإيراني المقبل؟ وهل سيتم التجديد للرئيس الحالي أحمدي نجاد؟ أم هل يعود من جديد الرئيس السابق محمد خاتمي؟
ثالثاً: إن ملكاً عربياً هو الراحل الحسين بن طلال عاهل المملكة الأردنية الهاشمية خلال العقود الخمسة من القرن الماضي، برع – رحمه الله – في لعبة توزيع الأدوار العربية داخل مملكته ذات الموقع الشديد الحساسية بين بلاد الشام وإسرائيل، فكان يختار المرحوم بهجت التلهوني إذا أراد أن يغازل الرئيس عبدالناصر، أو يكلف زيد الرفاعي رئاسة الحكومة إذا سعى إلى التقارب مع سورية، ولديه في الجعبة أيضاً أسماءٌ أخرى بدءاً من وصفي التل مروراً بعبدالمنعم الرفاعي وصولاً إلى مضر بدران وغيرهم، إذ يمثِّل كل منهم توجهاً يستخدمه في مخاطبة دول الجوار وفقاً للظروف ومقتضيات الحال. وتلك لعبةٌ ذكية برع فيها ذلك الملك الهاشمي صاحب القدرة الهائلة على اجتياز المراحل ومواجهة المشكلات والتغلب على العقبات.
رابعاً: إن الصعوبة الحقيقية في تطبيق لعبة توزيع الأدوار إنما تكمن سياسياً في ضــــرورة توافر المناخ الديموقراطي واتساع مساحة المشاركة السياسية، وهي أمورٌ يصعب اتهام الدول العربية بالتفوق فيها، لذلك فإنني أعتقد مخـــــلصاً أن تزايد حجم الحريات وازدهار الحياة النيابية وتــــــنامي الدور الحزبي، هذه كلها معطياتٌ تصب في مناخ يحترم حقوق الإنسان ويعلي قيمة الفرد ويضع الدولة العصرية الحديثة على خريطة الدنيا، لذلك فإن جزءاً كبيراً من قصورنا في إنجاح لعبة توزيع الأدوار إنما يعود إلى طبيعة الحياة السياسية وتخلف المسار الديموقراطي على رغم اعترافنا بعددٍ من المحاولات الجادة في هذا السياق على امتداد خريطة العالم العربي في العقد الأخير.
خامساً: إن توزيع الأدوار دليلٌ على النضج السياسي والثقة بالنفس، وتعبيرٌ مؤكد عن فهم طبيعة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية وإدراك ردود الفعل المحتملة على الجانب الآخر وتكريس الذكاء السياسي في خدمة الأهداف النهائية للدولة، إذ ليس المهم فقط تنويع المواقف أمام الطرف الآخر ولكن اشعاره أيضاً بأن التشدد مطروح وأن القرارات ليست سهلة، كما أنه يعطي في الوقت ذاته خط رجعة في القرارات التي لا تلقى قبولاً شعبياً ويعطي أيضاً شعوراً عاماً بالوزن السياسي للدولة وقدرتها على طلب الحد الأقصى حتى لو أرادت الوصول إلى الحد الأدنى.
سادساً: إن تقاليد الحضارة العربية الإسلامية عرفت هي الأخرى التنوّع في الرأي والتوزيع التلقائي للأدوار، فهناك من يرى أن الإمام علي (كرم الله وجهه) كان «تعبيراً يســــــارياً» داخل المجموعة الضيقة المحيطة بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، أما عثمان فقد كان ناطقاً باسم «اليمين الثري»، ووقف عمر بن الخطاب كنموذجٍ للصلابة والتشدد ولم ينل ذلك أبداً من وحدة المسلمين الأوائل ودرجة الانسجام داخل الدائرة الضيقة المحيطة بنبي الإسلام. ولذلك فإنني أزعم أن لعبة توزيع الأدوار مرتبطةٌ بالديموقراطية في الحضارة الغربية أو بالشورى في التقاليد الإسلامية، وليست بدعةً جديدة على الساحة الدولية.
إنني أردت من هذه الملاحظات أن أضع المسؤولية الكاملة في أعناق القيادات العربية الحالية التي لم تنجح في توظيف التنوّع القومي والتعدّد السياسي لخدمة أهــداف المستقبل، بل إننا لا نزال أمام واقعٍ مؤلم يعكس درجةً من التخلف السياسي وانعدام القــــدرة على العمل للحصول على أعلى عائد تحققه الأمة العربية في صراعها القائم وقضاياها العادلة. إننا لا نطلب المستحيل ولكننا فقط نتطلع إلى درجةٍ أعلى من النضج السياسي التي نــــــتمكن بها من الارتفاع عن مستوى «الشخصانية» العربية للوصول إلى درجةٍ من النضج لم تكن بعيدةً عن تاريخنا الحضاري وتراثنا الثقافي. ليس عيباً أن يكون لدينا معسكر اعتدالٍ عربي، ومعسكر آخر للتشدد القومي بشرط أن يدرك الطرفان أنهما يعملان معاً من أجل هدفٍ واحد وغايةٍ لا يختلف عليها الجميع.
ولست أشك لحظة في أنَّ الإصلاح السياسي سيؤدي تلقائياً وبالضرورة إلى تحقيق ما نتطلع إليه وما تصبو إليه شعوب هذه الأمة والذي تستحقه في مستقبلها الواعد لكي يكون مرتبطاً بماضيها الغني بالتقاليد السياسية والمظاهر الحضارية والقيم الإنسانية.
* كاتب مصري




















