الدكتور عبدالله تركماني
ما العمل ؟
إنّ المطلوب من الدول المغاربية لمواجهة التحديات التنموية أن تعيد صياغة توجهات ومسار التنمية المغاربية، بما يساعدها على الاستفادة المتبادلة من الإمكانيات والموارد المتوافرة لديها ككتلة إقليمية قادرة على الاستمرار والتواصل، وتطوير التعليم التكنولوجي وتضييق الهوة ما بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وفقا للتطور العلمي والتكنولوجي، وهذا يتطلب توفير بيئة سياسية وأمنية مناسبة مستقرة، تحمي الطبقات الفقيرة وتحفظ حقوق الإنسان الأساسية وتلتزم بقيم العدل والمساواة وتحفظ استقلال الوطن وأمنه وتؤمن مستقبله ومستقبل أجياله. كما يتطلب تنسيق التشريعات المالية والاقتصادية وفتح الحدود أمام التجارة البينية, وإنشاء سوق استهلاكية مشتركة تزيد جاذبية المنطقة في مجال استقطاب الاستثمارات الأجنبية, تؤدي على المدى المتوسط إلى تعزيز تكامل اقتصادي حقيقي بين دول المنطقة, تقلص تبعيتها الخارجية وتوفر لديها سيولة أكبر للإنفاق على التنمية. خاصة أنّ المنطقة تملك شروط التكامل بين الطاقة والزراعة والمعادن والسياحة والصناعة والخدمات, ما يجعلها مستفيدة من الوضع الدولي بسبب موقعها الجغرافي وانفتاحها الثقافي في الفضاء الأورو – متوسطي.
وفي الواقع يمكن للدول المغاربية، إذا رغبت وصممت، أن تغيّر الوضع القائم وتقود المسيرة نحو تحقيق الأهداف المرجوة بتبنّي إدارة حكم جيدة، وسياسات إصلاح عادلة لصالح الفقراء والطبقات الوسطى، وإدارة موارد نشطة وفاعلة، وتحديد أولويات واضحة ودقيقة للتنمية، وتبنّي برامج الإصلاح الاقتصادي القادرة على خلق فرص عمل تمتص الداخلين إلى سوق العمل، وتستقطب نسبا متزايدة من صفوف العاطلين عن العمل، ومعالجة الفجوات بين المدن والأرياف.
إنّ نجاح الخطط التنموية المغاربية ومواجهة تحديات العولمة واقتناص فرصها، يتطلبان توفير شروط كثيرة، تأتي في مقدمتها توفير مؤسسات ديمقراطية تمكّن المواطنين المغاربيين من المشاركة في صياغة مستقبل أوطانهم والمفاضلة، بحرية ووعي واستقلالية، بين الخيارات التنموية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالي إجراء مفاضلة صحيحة بين الأعباء والمردودية المتوقعة لكل من هذه الخيارات.
مما يتطلب ضرورة الانطلاق من الأهداف والمنطلقات التالية:
(1) ـ رفع مستوى الأداء الاقتصادي، أي رفع مستوى الإنتاجية وزيادة حجم الإنتاج القومي، ضمن نمط قطاعي متوازن قدر الإمكان.
(2) ـ إتاحة المزيد من السلع والخدمات التي تلبي الحاجات الأساسية للشعوب المغاربية.
(3) ـ توفير فرص العمالة المنتجة ومحاولة خفض البطالة، المكشوفة والمقنّعة، وتعبئة المزيد من الموارد البشرية بما يؤدي إلى تأمين المزيد من القدرة الشرائية في يد العدد الأكبر من المواطنين المغاربيين.
(4) ـ إصلاح نمط توزيع الدخل داخل الأقطار المغاربية.
(5) ـ تقليص الفجوة التنموية بين أقطار المغرب العربي.
(6) ـ تطوير قدرة البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية، بحيث تستطيع أن توفر للاقتصاد الأفكار والمعارف والمواقف والمؤسسات الضرورية للتحرك الاقتصادي بكفاءة، بحيث يكون نموه وتحسن أدائه متواصلا.
(7) ـ بمواكبة كل ذلك تحقيق مشاركة شعبية واسعة، واتخاذ القرارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتصلة باستراتيجيات وسياسات التنمية.
لا حلول سحرية، ولا بدائل معلبة، لكن الانطلاق الحقيقي والشجاع في هذه المواجهة العصيبة، يبدأ بإقامة نظام تعددي ديمقراطي سليم، يؤسس دولة القانون، ويضعها تحت الرقابة والمحاسبة والمساءلة، ويقر استقلال القضاء وتداول السلطة واحترام الآراء المتعددة والمختلفة، ويطلق حرية الصحافة والرأي والتعبير. إنّ هذا النظام الديمقراطي وحده قادر على طرح رؤية سياسية اقتصادية اجتماعية وطنية، تعتمد التنمية الشاملة بمشاركة القطاع الخاص، وإعادة تأهيل القوة البشرية الهائلة، مع تحديث المنظومة الثلاثية المعروفة، وهي التعليم والثقافة والإعلام.
وفي سياق كل ذلك فإنّ الاعتماد على الذات مغاربيا يحتاج إلى حرية انتقال عوامل الإنتاج المغاربية من رؤوس أموال وقوى عاملة ومنتجات، كما يحتاج إلى ترشيد العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي ووضعها على أسس متكافئة، بحيث يمكن تحقيق مزايا جماعية لأقطار المغرب العربي من خلال:
(1)- نقل وتوطين التقنية والمعرفة العلمية بالشروط الملائمة.
(2)- تنمية القدرات الذاتية وتوسيع إمكانات التصنيع المحلية.
(3)- تنمية الصادرات المغاربية المتنوعة وتقليص الاستيراد من البلدان الأجنبية إلى حده الأدنى، وزيادة حجم التجارة المغاربية البينية والتبادل التجاري مع الدول النامية.
وهكذا، فإنّ التنسيق والتكامل المغاربيين يمكن أن يخلقا إمكانية تنمية حقيقية تلبي الحاجات الأساسية للشعوب المغاربية، وتضمن استقلال الإرادة المغاربية. إذ أنهما ينطويان: أولا، على إمكانية تطبيق مبدأ الميزة النسبية بالنسبة إلى إنتاج كل من الأقطار المغاربية، وما يترتب على ذلك من زيادة في الكفاءة الإنتاجية، وذلك بأن يتخصص كل قطر في إنتاج السلع التي يتمتع فيها بالكفاءة الإنتاجية. وثانيا، زيادة فرص التوظيف الكامل، فبعض البلدان المغاربية تعاني من انتشار البطالة، بينما يعاني بعضها الآخر من نقص الأيدي العاملة.
وثالثا، تقليل المخاطر الناجمة عن التنافس في التجارة الخارجية بين الأقطار المغاربية ذات الإنتاجية المتشابهة، وما يستتبع ذلك من زيادة في قدرة هذه البلدان على المساومة للحصول على أسعار أفضل وشروط أفضل في تسويق حاصلاتها. ورابعا، تمكين المغرب العربي من اللحاق بركب الدول المتقدمة، عن طريق التخطيط المشترك لتسريع النمو الاقتصادي ورفع المستوى المعيشي للمواطنين المغاربيين.
وأخيرا، ضمان قدرة المغرب العربي على الاستجابة لتحديات العصر، وتحقيق ما يمكن من الاستقلال الاقتصادي، وتقليص مظاهر التبعية الاقتصادية للخارج.
أية تنمية مغاربية في المستقبل ؟
لم يعد الناس ينظرون إلى المستقبل على أنه ذلك المجهول الذي لا يمكن معرفة مكنوناته والتحكم في مجرياته، بل باتوا يخططون له ويعملون على التأثير في اتجاهاته الرئيسية. وفي الفترة الانتقالية التي يعيشها العالم كله، بما فيه المغرب العربي، فإنّ الشعوب المغاربية مشدودة إلى المستقبل، لذلك نرى أهمية صياغة تصورات أولية للتنمية المغاربية في المستقبل، منطلقين من أنه لم يعد ممكنا الكفاح ضد " النظام العالمي " من خارجه، فالعالم أضحى اليوم " قرية صغيرة " أطرافه مترابطة ومتبادلة المنافع. مما يجعلنا ندرك أنّ قوة المغرب العربي وقدرته على التعامل المتكافئ مع العالم الخارجي إنما هما مرهونتان – أساسا – بقدرة أقطاره على التنسيق والتكامل فيما بينها، وعلى خلق سوق مغاربية متسعة واحدة، تحقق الكفاية والفاعلية الاقتصادية من ناحية، والقدرة على تقليص التبعية والتعامل المتكافئ مع الخارج من ناحية أخرى.
إنّ المسألة ذات التأثير البالغ على مستقبل التنمية المغاربية تتمثل في عدم الفصل التعسفي بين السياسة والاقتصاد، فالكثير من أسباب فشل التنمية يعود إلى الوهم بإمكان تعجيل التنمية الاقتصادية في غياب تحرك واضح في اتجاه التحديث السياسي. وثمة قضية هامة أخرى تتمثل في الموقف من القطاع العمومي، إذ أننا نعتقد أنّ أية تنمية مغاربية ناجحة في المستقبل مرهونة بالمحافظة على دور هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، خاصة في المشاريع الاستراتيجية. إذ أنه لابد من تدخل قوي لسلطة الدولة في وضع المعايير والقوانين والسياسات، وفي جمع الموارد المالية وتوزيعها، وفي إعداد البرامج الاجتماعية ومراقبتها من أجل ضمان الرفاهية للشعوب المغاربية.
ولعل أبرز المهمات العاجلة للبدء بالاصلاح الشامل: احترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان المغاربي، باعتباره حجر الزاوية في بناء الحكم الصالح والقادر على إنجاز التنمية المستدامة، وتمكين المرأة المغاربية من بناء قدراتها الذاتية والمشاركة على قدم المساواة مع الرجل في جميع مجالات العلم والعمل والإبداع، واكتساب المعرفة وتوظيف القدرات البشرية المغاربية بكفاءة في النشاطات الاجتماعية لتحقيق الرفاه الإنساني في المغرب العربي.
ومما لاشك فيه أنّ تحقيق هذه المرونة، على الصعيد الاقتصادي، مستحيلة دون إطار سياسي ديمقراطي تعددي، يساعد على إطلاق مبادرات الشعوب المغاربية لإعادة بناء المغرب العربي على أسس عصرية. إنّ زوايا المثلث الحرج، التي طرحها د. يوسف صايغ، تبدو مهمة جدا لإنجاز تنمية مغاربية صحيحة. فبدون الحرية والديمقراطية لا يمكن قيام المواطنين بالمشاركة السياسية، وبدون القدرة على المشاركة لا يمكن لهم المفاضلة، بحرية ووعي واستقلالية، بين الخيارات الاقتصادية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالي إجراء مفاضلة صحيحة بين الأعباء والمردودية المتوقعة لكل من الخيارات. وبدون العدالة الاجتماعية – الاقتصادية ستصاب شرائح اجتماعية واسعة بمزيد من الإحباط واليأس، مما يحدث خللا في الاستقرار الاجتماعي، وبالتالي يقلل من مناعة المغرب العربي تجاه التحديات والمخاطر الخارجية. أما الزاوية الثالثة في المثلث الحرج فهي الاتحاد بين الأقطار المغاربية، لأنّ المنطقة تشكل العمق الاقتصادي الاستراتيجي لكل من أقطارها، سواء أريد بذلك العمق أن يكون سوقا للسلع والخدمات، أو مدى لاندماج مؤسسات الإنتاج، أو مصدرا للموارد البشرية أو المادية، أو سياجا أمنيا للمكتسبات الإنمائية، أو قاعدة صلبة للأمن المغاربي.
وفي خضم ذلك تحتل مسألة الديموقراطية والمشاركة الشعبية الموقع الأول في المساعي والخطط، لإنهاض الأقطار المغاربية من كبوتها وإنقاذها من عذاباتها. وهنا يتعين أن تتركز الجهود على إقامة أنظمة حكم ديموقراطية معبّرة عن الإرادة الحرة للشعوب المغاربية، تحرص على سلطة القانون وتوفير الحريات للمواطنين، وتحترم حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، وتتفاعل معه كشريك حقيقي في إدارة شؤون البلاد وتنفيذ برامج التنمية.
لقد اصبحت التنمية المستدامة في المجتمعات المغاربية اليوم بمثابة برنامج طويل الأمد لبقاء أجيال من الشباب المغاربي على أراضيه وعدم الهجرة عنها، وبناء مجتمعات عصرية قادرة على مواجهة تحديات العولمة.
خاتمة
التنمية والحكم الصالح يمكنهما السير معا إذا توفرت إرادة سياسية، وتشريعات ضامنة ومؤسسات وقضاء مستقل، ومساءلة وشفافية، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع مدني ناشط، ورقابة شعبية وإعلام حر. ولهذا فإنّ التعاطي المجدي مع الإشكاليات والتحديات إنما يستهدف اختيار السبل الصحيحة والمناسبة لإحداث التنمية الإنسانية المنشودة والشاملة، في ظل حكم صالح/راشد ورقابة فعالة للمجتمع المدني.
كما يجدر بنا أن نقلع عن تحميل مسؤولية عجزنا وتأخرنا على الآخر الغربي ، فإذا نسبنا مسؤولية كل ما نتعرض له من إجحاف وظلم إلى الآخرين ، فلن يكون من الممكن أن نحدد لأنفسنا مهام خاصة بنا، وسنظل أسرى منطق دائري يجعلنا نعكف على انتظار الخلاص بالصدفة. بينما المطلوب أن نتحرر من هذه النزعة، وأن نجري تغيّرات ثقافية جوهرية، تتضمن – قبل كل شيء – الاعتراف بمسؤوليتنا المباشرة عن أوضاعنا الراهنة وعن مصائرنا، ومن ثم عن المعطيات الأساسية لمستقبلنا المغاربي في الإطار العالمي.
تونس في 22/10/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار المؤتمر 26 لمنتدى الفكر المعاصر حول " المجتمعات المدنية والديمقراطية والباحثون العاملون من أجل نظام مغاربي في القرن الحادي والعشرين "، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " بتونس، في الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر/تشرين الأول 2008.




















