لم يعد مخبوء الطائفية والخوف منها جائزاً وبعض ملامحها تلعلع في أجوائنا، وبعض مركباتها وسحبها تعبر سماءنا محاولة خنق الوحدة الوطنية وجرجرة بلادنا إلى مهاويها : التقسيمية، التفتيتية، الاحترابية ..
ـ الطائفية المقصودة : لا تعني حذف، أو اجتثاث، أو جوهر التوزعات الدينية والمذهبية التاريخية التي تموضعت منذ قرون طويلة في بلادنا واتخذت مواصفاتها، واعتنقها المؤمنين بها، وإنما : الفعل الطائفي، واستخدام الطائفية في السياسة، واستغلال التوزع الطائفي لصالح مشروع خاص، ونظام، واستراتيجيات تفتيتية .
ـ الطائفية لا تخصّ طائفة بعينها دون بقية الطوائف، وكأنها موجّهة للعلويين وحسب، أو للأقليات الدنية : إسلامية كانت أم مسيحية، فقط، وإنما جميع دعاتها، وأشكالها، وأصحاب المصلحة في موضعتها، وتأجيجها، وتوظيفها .
ـ ولئن كان الشائع أن المقصود بالدرجة الأولى الطائفة العلوية، بالنظر إلى وجودها تحت الأضواء، وإلى موقعها في بنية وفعل نظام الطغمة، ومستوى التجييش فيها لصالحه، ودرجة الخوف فيها من آخر مفترض، وموقعها من الوحدة الوطنية، ومن مستقبل الثورة السورية، والدولة المدنية الديمقراطية ..
فإن محاربة الطائفية، على قاعدة صيانة الوحدة الوطنية، وضمان مساهمة كافة أطياف المكوّنات السورية : السياسية والفكرية والاجتماعية والدينية والقومية والمذهبية في ثورة الحرية، وفي بناء البديل التعددي..إنما تعني كل أشكالها ومظاهرها، وكل محاولات استبدال الصراعات السياسية بأخرى دونها تعيدنا إلى مرحلة ما قبل الدولة، والوطن .
****
ـ نعم .. برزت الطائفية بقوة في عهد النظام الأسدي مذ كان تكتلاً واضح العالم يحاول فرض وجوده بالقوة، حتى إذا ما نجح انقلاب التفحيح، وبات الأسد القوة الوحيدة التي تتحكّم بكل الصلاحيات والقرارات، وتفصّل الدولة، والمؤسسات على قياس نرجسيته وحجمه المنفوخ، والمكبّر آلاف المرات .. برزت الطائفية ظاهرة فاقعة في المؤسسة العسكرية، ومفاصلها الحساسة، وفي الأجهزة الأمنية وقياداتها، وفي صنع القرار.. ثم تطورت بتخطيط خبيث للانتقال من النخبة ـ هؤلاء ـ إلى الحالة الشعبية، ولتدخل الطبقة الوسطى عبر تقديم الرشى الكبيرة في مجالات عديدة(البعثات والوظائف المهمة، والجيش)، ثم محاولة تجييش الفئات الفقيرة والمحرومة من التعليم والدخل في صفوف الأمن والحراسات الخاصة، وسرايا الدفاع، والقطعات المنتخبة.. وإن كانت قصدية التلوين المظهري إحدى الوسائل الخبيثة للأسد المؤسس، ونظام توريثه.. حين اتسعت رقعة المشاركين الواجهة في الوزارة ومجلس التهريج، والحزب المطية، ووسائل الإعلام، وتجاوز ذلك إلى القوى السياسية التي وافقت على المسخ بدخول ” الجبهة الوطنية التقدمية”، ناهيك عن كمّ الشعارات البيّاضة، الفائضة عن المقاومة، والتوازن الاستراتيجي، والصمود والتصدي، والممانعة، والتي من شأنها إحداث استقطابات واسعة في الشارع الداخلي والعربي، وتصوير الأمر على أن النظام من موصفات طبقية يقع في خندق” العلمانية”، والقومية، والتقدمية.. بينما كانت تسري في الأوساط الشعبية، ورغم الخوف، والحذر، والتحسّب همهمات، وأحاديث كثيرة عن الصفة الطائفية للنظام، وعمّا يجري في قاع المجتمع من تقسيم على هذا الأساس، ومن قصص وروايات تتناقلها الذاكرة الشفهية لتكوين ما يشبه الاتفاق العام على توصيف النظام بهذا الجانب، رغماً على أن الأمور لم تتجرأ على التعبير الفصيح بالنظر إلى عاملين متراكبين : شدة الخوف من بطش سطوة النظام من جهة، وموقع الوطنية السورية لدى الأغلبية الساحقة من الشعب، من جهة أخرى .
ـ في مناح الارتداد هذا، وعمليات الحقن والتعبئة، وإجهاض المشروع النهضوي، الحداثي(ناهيك عن التحرر والحرية والتحرير والتوحيد والعدالة الاجتماعية).. كان طبيعياً أن تعرف حركة المجتمع نوعاً من النكوص إلى ما قبل وطني، وأن تنتعش الأفكار والمكونات الدينية والمذهبية في حواضنها العلنية أو السرية، وكذا الجهوية والعشائرية والعائلية، وأن يبحث الناس عن أسيجة واطر للحماية بعد أن نفض كثيرهم يده من الأحزاب التي طالما رفعت شعارات أحلامهم وأمانيهم ومصالحهم وخانتها بطريقة مخزية، وكان نظام الطغمة الأسدي أكثرها ازدواجية، وأكثرها باطنية، وأكثرها نحراُ ونخراً وتقويضاً لذلك المشروع ولحوامل الوحدة الوطنية الطبيعية .
ـ في العودة إلى مرحلة الصراع بينه وبين ” الحركة الدينية” صعد التجييش الطائفي إلى مستوى ظاهري لا يمكن إخفاؤه، وبات الفعل وردّ الفعل عنواناً مشتركاً للفريقين . ولأن النظام هو صاحب السطوة، والقرار، وهو المعني بحماية الوحدة الوطنية، وهو الرافع لشعارات خلبّية.. فإنه في نظرنا المسؤول الأول، وحاضنة تلك الأوضاع التي هددت الوحدة الوطنية في الصميم، والتي طالما تناولناها في حينها على صعيد ” التجمع الوطني الديمقراطي”، أو على صعيد الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية، أم على صعيد الجهد الفردي .
ـ لقد استفاد النظام من أخطاء ممارسات ” الطليعة المقاتلة” الراكبة على تغطيتها حركة الإخوان المسلمين تلك التي اتصفت بالطائفية الصريحة، وبخط سياسي استئصالي تماماً، فنجح في ركوب مطية حامي الحمى للطائفة العلوية من الذبح على الهوية، ومن نبش مخزون ذاكرة البيئة الشفهية عن صراع قديم منتقى مليء بالاضطهاد، والمذابح، والخوف من الآخر، وتضخيمه إلى درجة البعبع الذي يُستحضر عند اللزوم، كما هو الحال اليوم .
ـ لنقل، ورغم أن حركة الإخوان المسلمين قامت بنقد ممارستها تلك الفترة، وأدانت استخدام العنف، وأقرّت التداول السلمي على السلطة.. فإنها مطالبة على الدوام، وهي بالتحديد، بأن تفصح أكثر عن نقدها لذلك الأسلوب الذي سمح للنظام بالإيغال بعيداً في التعبئة الطائفية.. التي يتمّ إحياؤها اليوم كتواصل لتلك المرحلة من جهة، وعبر تضخيم والتقاط عديد المظاهر والتصريحات المحسوبة على أطراف دينية سنية تتقاطر بأشكال متخلفة، وملغومة هنا وهناك من جهة أخرى .
*****
النظام، ومنذ بدء الانتفاضة، وبالنظر إلى تركيبته الأقلوية (الأقلوية الشاملة)، والأمنية، اتجه مباشرة إلى “جورة الحرامية” المخبّأة في خزينه متصوّراً أنه بالحديث عن الفتنة يستطيع أن يركّب غطاء مناسباً للقتل وإجهاض الانتفاضة من جهة، وتقريب ودفع الطائفة العلوية، وعموم الأقليات الدينية والمذهبية إلى خندقه من جهة ثانية، جبناً إلى جنب الحديث عن المؤامرة التي تستهدفه كرمز للممانعة والمقاومة، وهو الخطاب الازدواجي الذي رافق هذا العهد منذ قيامه، وظهر أكثر سذاجة وترقيعاً في عهد الوريث وصحبه، من جهة ثالثة .
ـ النظام اليوم وعبر أزمته الفاضحة، وفشله في إجهاض الثورة يحقن الأوضاع بحقن مذهبية خبيثة من شأنها، كما يعتقد، أن تكون البديل عن الوحدة الوطنية، وربما يكون قد نجح الآن في تخويف الشارع الشعبي العريض من الطائفة العلوية، ومن بعض الأقليات الدينية والمذهبية من” مجهول” إسلامي يجري النفخ به وتصويره كغول، أو كسيف سيقطع رؤوس الآخرين.. الأمر الذي يفسّر ضعف حضور ومشاركة تلك الأقليات في الثورة، بينما تعاني نخبها(لنقل دوماً : المحسوبة عليها مجازاً) من عدة إشكاليات لجهة ضغوط بيئتها من جهة، وسقف تصوراتها للمخرج من جهة ثانية .
ـ النظام يدفع بقوة باتجاه الحرب الأهلية، وحتى بعض عمليات التطهير الديني والمذهبي، بينما تراود ذهن البعض حكايا مشاريع التقسيم، وإقامة دولة طوائفية إذا ما كانت هي المنحشر الأخير لنظام الطغمة، بواقع تماسك المؤسستين الأمنية والعسكرية، حتى الآن، وإبداء استعداد قياداتها لإهراق المزيد من الدماء، وقتل وتصفية الناشطين، وحتى استدراج الخارج للتدخل .
*****
ـ بالمقابل ، فالطائفية ليست حصراً على النظام، أو طائفة معينة دون غيره ن قوى طائفية، وماضوية، ومشبوهة منتشرة في عموم الطوائف، وتظهر تجلياتها الفاقعة في مظاهر كثيرة تتجاوز ردود الفعل إلى ما يمكن اعتباره بنياناً له قواعده، ونواظمه ومصالحه.. الأمر الذي يجب توجيه الضواء إليه حتى لا تبدو المواقف حولاء، أو مزدوجة المعايير .
***
ـ إن الحديث عن تطمينات وتعهدات.. ومناشدات.. بقدر ما يضغط عليها الوضع السوري لجهة إحجام أغلبية بعض الأقليات عن المشاركة في صنع المستقبل المشترك : ثورة الحرية، والزجّ ببعض الفئات وقوداً لمحرقة الطغمة الحاكمة، وفتح أشداق الحرب الأهلية.. بهدف ترسيخ الوحدة الوطنية على قاعدة الإسهام في بناء البديل.. فإنها ظاهرة لرد فعل آني لا تتناول جذر المشاكل، ولا تتمحور حول القاسم العام .
ـ إن الدولة المدنية الديمقراطية ليست ملكاً لفئة دون أخرى. إنها دولة المواطنية المتساوية للجميع، وهي ضمانة للجميع، وتعني الجميع على قدم التكافؤ.. حيث لا أحد يطمئن أحداً سوى الدستور الذي يضعه نواب الشعب المختارين، والمنتخبين، والقوانين التي تقررها دولة المواطنة وليس فريقاً دون آخر .
ـ إن ألف باء الحرية ليس الاعتراف بالتعددية وحسب، وإنما تمثلها ووعي مفرداتها وماذا تعنيه نظرياً وفي التعامل، وماذا تستوجبه من “تنازلات” تخص الجميع إزاء الجميع .
إن مدخل الإقرار بالتعددية : الاعتراف بأن الحقيقة نسبية، وبأنها ليست حكراً على أحد دون الآخر، وأن معتقدات الآخر محترمة مهما كانت نظرتنا الخاصة إليها، كما هو واجب احترام معتقداتي .
ـ إن وعي التعددية. ونسبية الحقيقة تقودان إلى إقرار حق الآخر بالتعبير والمعتقد كما هو لا كما نريد ونشتهي، كما يجب أن يؤدّيا إلى فهم مكونات الآخر على قاعدة الحق، والاحترام، والتفاعل، وليس بالنفي ، والاستئصال والاحتقار، أو التكفير .
ـ التطمينات الحقيقية تكون بتفصيح طبيعة الدولة المدنية الديمقراطية لجهة : المدنية كحقوق المواطنة، ولجهة نزع الطابع الإيديولوجي لها، وعدم إلحاقها بهذا المكوّن، أو ذاك المعتقد، وتحديداً : بالجهر المسبق لعلاقتها بالشريعة الإسلامية باعتبارها محط الجدل حول موقعها في التشريع(بين المصدر الرئيس، ومصدر من مصادر التشريع وبين علمانيتها(وليس إلحادها) الذي يعني رفض التخصيص لتكون مفتوحة، وغير متناقضة مع حرية الاعتقاد، والانتماء الفكري والسياسي وغيره , وحقوق القليات القومية(وليس الدينية) .
ـ على هذه القاعدة يكون الفعل الطائفي من أين جاء فعل منبوذ، مرفوض، إجرامي بحق الدولة الديمقراطية، وبحق الوحدة الوطنية ولا يحتاج إلى تجريم مسبق .
ـ وعلى ذلك أيضاً فإن إسهام الجميع بكوننة البديل، وفي يوميات الثورة، والانفضاض المعلن عن نظام الطغمة ومهاويه التي يريد دفع البلاد وبعض أبناء الطائفة العلوية إليه.. سيكون اللبنة القوية في إشادة دولة المواطنة . دولة العدل والقانون والحقوق.




















