أمام استشراس النظام في الفتك ببؤر الثورة، ومطاردة الناشطين لاعتقالهم والتفظيع بهم، ومحاولة إخضاعهم، وإنهاء الثورة للعودة إلى مألوفه..
وأمام ظهور فشله الكبير في تحقيق أهدافه المسطّرة، وبعض مظاهر “التطهير” المذهبي التي يتمّ الحديث عنها بتواتر في اللاذقية.. تزحف إلى الذهن السوري المتحفز أفكار التقسيم على أساس مذهبي ..
ـ تحضر على الفور مشروعات فرنسا حين أقامت “خمس” دول في بلدنا الصغير جغرافياً، ومنها دولة” العلويين”، والبعض ينبش في “الدفاتر” الفرنسية القديمة ، خاصة تلك الرسالة المنسوبة إلى عدد من ” وجهاء الطائفة العلوية” التي تطالب سلطات الاحتلال الفرنسي بإقامة دولة علوية خاصة بهم أسوة بغيرها ……كي ينسج منها إسقاطات راهنة قد لا يكون لكثيرها علاقة بالواقع، والمفردات، فيحضر في المخيال كابوس العمل على إقامة”دولة” طائفية، أو مغلفة على جزء من سورية.. في حال انحشر النظام وفقد السيطرة على كل سورية ..
ـ هنا، أيضاً، تستدعي الذاكرة أقوالاً كثيرة لرفعت الأسد، وغيره من عظام رقبة النظام.. سنوات صدامهم مع ” الحركة الدينية” عندما لم يكن ” الانتصار” محسوماً، حول إمكانية قيام دولة فئوية في مناطق محددة من سورية(الساحل وبعض الامتدادات نحو الداخل) .. والتي لم يعرف أحد مدى جدّيتها لأن النظام انتصر وسحق الحركة الدينية، ومعها حراك الشعب السوري، وقوى المعارضة مختلفة الاتجاهات، وبرك على صدر الشعب والواقع كل هذه العقود .
ـ اليوم، ومع ما يعتبره البعض عمليات تطهير وتهجير مذهبيين في اللاذقية، وفي بعض المناطق، تقفز إلى أذهان هؤلاء حكايات التقسيم، ثم التفصيل في رسم حدود للمزمع.. فتمتدّ ، عند البعض، إلى عمق الداخل: حمص وحماة، وتضمحل عند آخرين بحدود الساحل، وإذ بالسناريوهات السورية تزداد بإضافة هذا الجديد إليها، والسباحة في طولها وعمقها وعرضها ..
****
ـ الأكيد أن طموح الأسد، ووريثه، أو ورثته.. يحلمون ليس بحكم سورية(إلى الأبد) وحسب.. بل التوسع في كل الاتجاهات، خاصة بلاد الشام، بمدّ النفوذ إلى لبنان، والأردن، وفلسطين، وحتى العراق، وقد مارس النظام ذلك بأشكال مختلفة، خاصة في لبنان، بما اعتبره البعض، أيامها، بالطموحات الإمبراطورية للأسد، أو بالسعي الحثيث للقبض على أوضاع الدول المجاورة وتحويش أوراقها لتكون في جيبه : نفوذاً، وسمسرة، ومقايضة، أو ابتزازاً وتهديداً ..
كان واضحاً أن النظام يبتعد مع كل يوم عن العمل الوحدوي الجدي، وحتى الضمّ القسري للبنان، ذلك أن ممارساته البشعة، القمعية الجشعة، والفوقية النهبية حوّلت معظم الشارع العلوي إلى عدو، خاصة الشارع السني الذي اعتبر مراراً أنه ملتصق بالاتجاهات القومية، وخزانها، ودرعها.. حتى إذا ما تمّ اغتيال الحريري بتلك الملابسات انفجر خزين الشارعين : السني والدرزي والمسيحي،قبل تكويعة، أو توضيب عون وتحويله إلى رأس حربة، ومحاولات قسم الصفّ المسيحي، وعقد تحالفات يقال أنها تمتدّ إلى المارونية في سورية، وعموم المسيحيين الذين كان كثيرهم مناهضاً للنظام، وسلبياً إزاءه .
ـ ولئن كانت السلطة غاية الغايات لدى الطغمة الحاكمة، المستعدة للتضحية بالشعب السوري، وبوحدة سورية الوطنية والاجتماعية بارزة وصارخة في نهجها، وفيما تقوم به، بغض النظر عن التباسات الشعارات الكاذبة، وضجيج الكلام عن المؤامرات المتلاحقة(التي يتصدّى لها نظام الممانعة !!!!).. فإن اشتداد أزمتها أمام صمود، وبسالة، وسلمية الثورة السورية، وانتشارها أفقياً، وتجذرها نوعياً.. تنبئ بردّ صاع نهجها (الطغمة) صاعات، أي المضي حتى الإسقاط ..
هنا تكثر الاحتمالات، وتجد فكرة التقسيم مخدعها عند البعض، والعديد يؤشر إلا كثير المظاهر على أنها مؤشرات واضحة لا يأتيها الباطل بنيّة الطغمة ـ عندما تضطر ـ إلى إقامة”مملكتها” الخاصة المحمية طائفياً، وربما إقليمياً، وخارجياً، وتنشط الأخيلة السورية في إيراد أكوام من ” الإثباتات” التي تتجمّع لتصبّ في هذه التصورات …
*****
ورغم أنني لا أملك معلومات خاصة حول النوايا الحقيقية للطغمة، وحول ما يدور في أذهانها من بدائل إذا ما حوصرت.. إلا أنني استبعد تماماً وجود مثل هذا المشروع، ناهيك عن واقعيته .
ـ إن أبناء الطائفة العلوية بشتى مشاربهم الفكرية، وتوزعاتهم السياسية، وحتى العشائرية المعروفة، والمشيخات الدينية المعروفة وغيرها.. يستحيل أن يقبلوا مشروعاً يسلخهم عن وطنيتهم ووطنهم سورية، مهما كان حال ومآل عائلة الأسد ، وسيقاومون مثل هذه العمليات الإجرامية ولو كانت مجرد أفكار قد تدور في ذهن مريض، مدمن للسلطة، معتوه بجنون القوة .
ـ كما أعتقد أن مسار الثورة السورية واحتمالاتها(بما فيها أشدها سوءاً) لا تترك مجالاً لأي ابتزاز، لأن المعركة باتت كسر عظم فعلاً، ولن تقبل بأقل من إسقاط النظام.. الأمر الذي يسقط معه كل دعوة، كل محاولة تقسيمية ..
ـ وبتقديري، وموضوعياً يصعب على الطغمة، رغم عديد مظاهر استهداف الآخر، وتفوير دماء الطائفية الجيّاشة لدى أوساط شعبية وشبّانية عفوية عند” العلويين”، أو في أوساط بعض الأقليات الدينية.. أن تفكر بهذا المنحى لأنها متورّمة، ومحشوة بجنون القوة والعظمة، وبهاجس الانتصار على الشعب، ورأس النظام، ومعه أخوه، وطاقمه المقرّب من العائلة والحاشية يعتبر نفسه في معركة مصيرية حاسمة، يخوضها على طريقة : إما قاتل أو مقتول.. وهي قد صارت هكذا فعلاً ولم يعد فيها أي هامش لتراجع، أو حوار، أو مصالحة.. ناهيك عن حكايات الإصلاح.. وعن عودة الأمور إلى ما كانت عليه ..
ـ ولئن كان تجريم الفعل الطائفي واجباً على كل الوطنيين السوريين، ومحاربته بكل ألوانه ومظاهره، وخلفياته..
ـ ولئن كان ضرورياً انخراط أبناء الطائفة العلوية وبقية الأقليات الدينية والمذهبية في معركة انتزاع الحرية وتفكيك بنية مملكة الرعب والاستبداد المافيوزي، وفي الإسهام لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الجميع على قدم المساواة ..
فإن تفصيح هوية الثورة، وهوية انتمائها الشعبي، الديمقراطي، وهوية فضاءاتها المفتوحة على العصر والحداثة، بعيداً عن الفئوية، والماضوية، والتشدد، وعن محاولات صباغتها بهذا اللون أو ذاك.. سيكون المدخل، والضامن لتحطيم محاولات الفتنة، والتقسيم، وقبر جميع المشاريع الخاصة التي تستهدف بلدنا العزيز الموحّد ..
كاتب وروائي ـ الجزائر 17 آب 2011




















