المستقبل –
وقعت الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة بالعاصمة القطرية الدوحة يوم الثلاثاء 17 شباط 2009 على وثيقة "إعلان حسن النوايا وبناء الثقة" تمهد لاتفاقية إطارية لوقف الأعمال العدائية بين الطرفين في إقليم دارفور. وشهد توقيع الاتفاق معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الذي رعى محادثات الطرفين التي انطلقت الثلاثاء 10 شباط 2009، وحدد الاتفاق إطاراً زمنياً للوصول الى اتفاق سلام في غضون ثلاثة أشهر. ووصفت الوثيقة بأنها إعلان حسن نوايا وبناء الثقة لتحديد مسار المرحلة التالية من التفاوض تمهيداً لتوقيع اتفاق إطاري بين الطرفين. وتنص الوثيقة على توفير السبل الآمنة لإيصال المعونات الى محتاجيها في دارفور، وتبادل الأسرى والسجناء وفق جدول زمني يحدده معالي الشيخ حمد بن جاسم والوسيط الدولي جبريل باسولي.
ويؤكد الاتفاق أن "السلام خيار استراتيجي والجميع متمسكون بعملية التفاوض، وأن الدوحة ستكون مقر المفاوضات المقبلة بين الطرفين"، وهو يمهد الطريق لمناقشة الملفات الكبيرة التي تحتاج إلى وقت أكبر، مثال تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية. وأعلن الدكتور خليل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة الحرص على انضمام كل الحركات الأخرى والمجتمع المدني في السودان ودول الجوار، خصوصاً تشاد وليبيا ومصر وارتريا الى المفاوضات داعياً إياها الى العمل على دعمها لتتكلل بالنجاح.
ويطرح المحللون السؤال الآتي: هل سيقود هذا الاتفاق الى تحقيق السلام الشامل في دارفور ويكون بمنزلة انطلاقة كبرى للسودان يُسكِت بها المؤامرات الخارجية ضده؟
في مقابل ما تم إنجازه في الدوحة، فإن المحكمة الجنائية الدولية ستصدر خلال أسبوع أو إلى اقصى تقدير مع نهاية هذا الشهر مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني، بتهمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب في إقليم دارفور الذي اندلع فيه القتال منذ سنة 2003، بين الفصائل المتمردة المدعومة من الخارج وبين قوات الحكومة السودانية وميليشيا الجنجويد المتحالفة معها. وفيما تذهب الحكومة السودانية الى أن عدد ضحايا الحرب في إقليم دارفورغرب السودان، لا يتجاوز عشرة آلاف شخص، تقدر الأمم المتحدة العدد بنحو 300000 شخص، إضافة إلى تشريد 7، 2 مليون شخص.
وإذا صدرت مذكرة التوقيف هذه، فإن الرئيس السوداني سيكون الرئيس الرابع الذي سيتم توقيفه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وهو لا يزال يمارس السلطة.إذ سبقه في هذا المجال ثلاثة رؤساء. وكان السودان رفض فيما مضى تسليم متهمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الانسانية في دارفور وهما احمد حارون الوزير السوداني المكلف الشؤون الانسانية وعلي كوشيب قائد ميليشيات الجنجويد المتحالفة مع الحكومة من الرئيسين الصربيين سلوبودان ميلوسوفيتش، وميلان ميلوتيفيتش، والرئيس الليبيري شارل تايلور. وكان السودان رفض فيما مضى تسليم متهمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، وهما: أحمد حارون الوزير السوداني المكلف الشؤون الإنسانية، وعلي كوشيب، قائد ميلشيات الجنجويد المتحالفة مع الحكومة.
وتحاول وفود من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي مؤيدة للسودان إقناع الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي بتأجيل لائحة اتهام للمحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية في دارفور لمدة سنة واحدة، مثيرة بذلك المادة 16 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وتنص المادة 16 على أنه "لايمكن البدء بعمليات التحقيق أو الملاحقة القضائية بموجب هذا النظام الأساسي لمدة 12 شهرا إذا طلب مجلس الأمن (في قرار تم تبنيه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة) من المحكمة الجنائية الدولية كما أن هذا الطلب يجدد من قبل المجلس في ظل الظروف نفسها".
في كل الحالات، الولايات المتحدة الأميركية، الممثلة بسفيرتها في الأمم المتحدة، سوزان رايس، تعتقد أن هناك "إبادة جماعية حصلت في دارفور"، وستستخدم حق الفيتو ضد كل محاولة من شأنها تنفيذ المادة 16. ومن الواضح أن إدارة اوباما ليست مستعدة لعقد الصفقات السياسية، أو الاستغناء عن العدالة التي جعلت منها حجر الأساس لها، لحماية نظام باسم الحفاظ على الاستقرار وكسب تعاونه. كما أن الدول الأعضاء (أميركا، بريطانيا، فرنسا) التي تمتلك حق النقض (الفيتو)، تعارض تعليق لائحة اتهام بجرائم حرب بحق الرئيس السوداني عمر البشير لمدة سنة بموجب المادة 16.
وكان سكان جنوب السودان قد رحبوا بانتخاب باراك اوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، قابله تشاؤم واضح في شمال السودان، وفي صفوف أصحاب السلطة، الذين يرون أن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة أميركية على السودان، و"موقف استعماري".
لقد نجم عن الأوهام القومية والإسلامية لدى النظام السوداني، تداعيات خطيرة اجتماعية وسياسية وثقافية شديدة الوضوح، تمثلت في تهميش الأقليات الإثنية / اللغوية والدينية غير العربية واضطهادها، الأمر الذي دفعها دفعا إلى تعزيز تمايزها وتنمية الميول الانكفائية أو الانعزالية لديها، وتعزيز الميول الانفصالية لدى بعضها، بسبب التمييز بين المواطنين في الحقوق على أساس اللغة والدين والمذهب والطائفة والاتجاه الفكري والسياسي، وحلول الامتيازات محل الحقوق، والولاءات الحزبية والايديولوجية والشخصية محل القانون.




















