اعتاد عبد الكريم أن يستيقظ من نومه في الساعة السابعة صباحاً. منذ حوالي الشهر، في صباح يوم جمعة، تعجبت زوجته من عدم استيقاظه في موعده اليومي.
دخلت غرفته، ففوجئت حين رأت الزبد يخرج من فمه؛ حاولت وهي قلقة إيقاظه فلم ينبس ببنت شفة. كان يتنفس ببطء وغائباً عن الوعي تماماً. نادت لابنتها لترى حالة والدها. احتارت الأم والإبنة فيما تفعلان.
اعتاد عبد الكريم على الحركة طوال النهار، مثل النحلة يتنقل من مكان إلى مكان، بكل همة ونشاط وحيوية، يحضر معظم المناسبات الأدبية والمحاضرات والمعارض الفنية، ولا ينسى اللقاءات الأسبوعية مع الأصدقاء. يبدو أن نشاطه هذا قد أنساه مسألة المرض المفاجئ تماماً. لذلك لم يخطر على باله يوماً أن يخبر عائلته بأن أعضاء اتحاد الكتاب لهم تأمين صحي، ويمكنهم المعالجة في بعض المستشفيات المتعاقد معها ومنها مشفى الباسل في تجمع دمر. لذلك لم يكن أمام زوجة عبد الكريم وابنته غير الاتصال بالإسعاف. وصلت سيارة الإسعاف بعد ثلاثة ارباع الساعة ونقلت المريض الغائب عن وعيه إلى مشفى (المواساة).
بقي عبد الكريم متروكاً في مشفى المواساة على حاله، حوالي خمس ساعات متوالية دون أن يأتي أي طبيب ليسعفه أو ينقله إلى غرفة العناية المشددة. أسقط بيد الأم والإبنة. لا تعرفان ماذا تفعلان. أخيراً جاء "فاعل خير" وهو ممرض يعمل في المشفى، فقال لهما: يا جماعة إذا أردتم أن يبقى مريضكم على قيد الحياة، فالأفضل أن تنقلوه إلى مشفىً خاص. هنا خطر على بال الزوجة وإبنتها إخبار ابن عمه فجاء على الفور مع أخيه ونقلوه إلى مشفى خاص، أدخل إلى العناية المشددة، وقدمت له المعونة الطبية اللازمة واستعاد وعيه بعد أربعة أيام. دفع أبناء العم أجور المشفى وعاد عبد الكريم إلى بيته بقدرة قادر.
في اليوم التالي اصطحبه أبناء العم لإجراء كل الاستقصاءات والتحاليل والتصاوير اللازمة.
ربما كان من الضروري تقديم الشكر لهذا الممرض "فاعل الخير" الذي نصح أهل عبد الكريم بنقله إلى مشفى خاص، فيبدو أن تجربته ومشاهداته اليومية في المشفى الذي يعمل به دفعته لكي يتصرف على هذا النحو!
لكن المأساة في حكاية عبد الكريم هي لو أنه كان مقطوعاً من شجرة، ولم يكن له أبناء عم أكارم متضامنين معه! أما شر البلية، فهو في هذا المشفى التي يسمونه(المواساة) من واسى.. يواسي. لقد كانت يوماً من أهم المشافي في سورية.
وقد علق أحد الأصحاب حول أوضاعه المأسوية اليوم: من الأفضل أن يغيروا أسمه، من مشفى المواساة إلى مشفى (المواراة) من وارى… يواري…!!
===================




















