نصير الأسعد
شهادتان إضافيّتان بفوز 14 آذار في الانتخابات النيابية المقبلة أُعطيتا في الأيام القليلة الماضية.
الأولى جاءت على لسان الجنرال ميشال عون في عشاء لماكينته الانتخابية. وقد جاءت في صيغة تعكس فقداناً للأعصاب من جهة وفي صيغة شتائم موجّهة الى أركان الفريق الاستقلالي من جهة ثانية. وقد حاول الجنرال الهروب من النقاش السياسي ـ الوطني، أي من إخضاع مواقفه لمساءلة الناس ومحاسبتهم، باتجاه "بضاعة كاسدة" يكتشف الجنرال أنه لن يستطيع بيعها في حزيران 2009 كما باعها في العام 2005.
أما الثانية فقد جاءت على لسان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله "منظّرة". وقد قال السيد إن "الأكثرية البرلمانية لا تعني بالضرورة أكثرية شعبية وذلك نتيجة للنظام الطائفي (..) وطريقة توزيع الدوائر والمقاعد". ولا يغيّر في المعنى شيئاً كون نصرالله أضاف الى هذه الجملة عبارة "حتى لو فازت المعارضة بالأكثرية".
ما بعدَ "الثلث المعطّل"
في المشهد إذاً، شهادتان إضافيّتان على أن فريق 8 آذار "يتوقّع" فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية مجدداً، وبدأ يعدّ العدّة لـ"مواجهة" هذا "المعطى".
حتى الأمس القريب، كان عنوان "مواجهة" الاحتمال الأرجح المتمثّل بفوز 14 آذار بالغالبية النيابية الجديدة، هو المطالبة المسبقة بتكريس بدعة "الثلث المعطّل" في الحكومة، أي المطالبة بتكريس بدعتَي "حكومة الوحدة الوطنية" و"الثلث المعطّل" فيها في الوقت نفسه. وفي إطار "التسويق"، كان فريق 8 آذار يحاول أن "يرشي" 14 آذار بالحديث عن إعطائه "الثلث المعطّل" لو انتقلت الأكثرية الى دفّة الفريق الأول.
.. إعادة النظر في "النظام"
بيدَ أن الأمين العام لـ"حزب الله" سارعَ في خطابه السياسي الأخير الى إضافة "خيار" آخر.
ذلك أن حديثه عن "التناقض" بين "الأكثرية الشعبية" و"الأكثرية البرلمانية" يتجاوز كونَه محاولة "تحليل" للواقع أو محاولة لتقديم "قراءة حيادية" في أحوال النظام. إنه إذ "يقرّر" أن ثمة تناقضاً ويعزوه الى "النظام الطائفي"، إنما يؤشّر الى إعادة نظر من جانبه في النظام، أي يفتح الباب ـ حتى من دون أن يقول ذلك مباشرةً ـ أمام إعادة النظر. فلا "يعقل" أن يسجّل نصرالله "تناقضاً" ما وأن يحدّد "سببه"، ولا يكون في صدد "فتح" البحث، حتى لو لم يُعلن هذا الهدف.
حديث "الأكثريّتين" إستُخدم تكتيكياً
بطبيعة الحال، ليست المرة الأولى التي يلفت نصرالله الى تناقض بين "الأكثرية الشعبية" و"الأكثرية البرلمانية". فهو "استعمل" هذا الأمر غير مرة ضد الأكثرية الحالية في السنوات الماضية. لكنه كان يستخدمه في صيغة "تكتيك سياسي هجومي". كان يستخدمه في معرض زعم أن الأكثرية النيابية الـ14 آذارية إنما هي إحدى نتائج "التحالف الرباعي". وكان يستخدمه ليرميَ في وجه الأكثرية إقتراح الانتخابات النيابية المبكرة. وكان يستخدمه أحياناً للدعوة الى استفتاء (هل كانت "نظرية التناقض" لتتغيّر لو جرت انتخابات مبكّرة؟). وكان يستخدمه لـ"تسويغ" المطالبة بـ"الثلث المعطّل" تحت عنوان "المشاركة". بل كان يستخدمه لتكريس "أكثريّتين": واحدة شعبية هي 8 آذار، وثانية نيابية هي 14 آذار، مما يفرض على هذا الأساس حضور "الأكثرية الشعبية" بـ"ثلث معطّل" في الحكومة!
إن ما يطرحه نصرالله، مأخوذاً في السياق التاريخي لـ"التنظيرات" المختلفة حول النظام السياسي، ليس "أقلّ" من "فلاش" عن فتح باب إعادة النظر في النظام، المحدّدة قواعده وآلياته في إتفاق الطائف.
.. لكنه الآن توجَه لإنهاء الطائف
وبكلام آخر، فإن ما تضمّنه الخطاب الأخير لنصرالله، إضافةً الى ما يمثله من إعتراف "ضمنيّ" برجحان كفّة 14 آذار في الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل، إنما هو بمثابة إعلان عن إمكان الإنتقال من المطالبة بـ"الثلث المعطّل" إلى المطالبة بـ"تغيير" النظام أي تغيير الطائف. هذا مع العلم أن تغيير الطائف هو ـ في هذا السياق ـ التتمّة لـ"الثلث المعطّل"، أي تغيير إنطلاقاً من "الثلث المعطّل" وعلى قاعدته.
لقد سبق للجنرال عون أن قال جهاراً إن "المعارضة" تريد الفوز بالغالبية النيابية الجديدة "كي" تعيد النظر في إتفاق الطائف.. أي "كي" تغير النظام. غير أن السيد نصرالله أتى "يصحّح" ما أعلنه عون": إن "المعارضة" مقبلة على فتح موضوع إعادة النظر في الطائف والنظام السياسي سواء أكانت غالبية نيابية أم لم تكن.
"التحويم" حول "المثالثة"
وكثيرون إستمعوا إلى الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" أو قرأوه، إستنتجوا أنه "يحوم" حول "المثالثة"، الفكرة المتممة لـ"الثلث المعطل" إن لم تكن "الفكرة الأم". ذلك أن نصرالله، إذ يعزو "التناقض" بين "الأكثرية الشعبية" و"الأكثرية النيابية" الى "النظام الطائفي"، لا يُمكن ـ نظرياً ـ أن يكون في صدد الدعوة الى قيام نظام "غير طائفي" أو الى قيام "دولة مدنية" أو الى قيام أحزاب "مختلطة". إنه في صدد البحث عن صيغة طائفية لـ"نظام طائفي" جديد. وبما أن "الديموقراطية العددية" لا تحقق الغرض، لأن الأكثرية العددية ليست معطىً حاسماً ومحسوماً، فان أصل "الثلث المعطل" هو "المثالثة"… بديلاً من المناصفة.
في جميع الأحوال، إن الحديث عن "مثالثة" ليس محاولة لـ"تأويل" نصرالله بقدر ما هو إستنتاج منطقي من ناحية ومؤسس على "مفهوم الثلث المعطل" من ناحية ثانية.
من حق "حزب الله" أو أي حزب سياسي آخر أن يطرح ما يشاء. المشكلة عندما ينتقل حزب معين من الطرح إلى الفرض.
14 آذار وحماية الطائف
ولذلك، من حق 14 آذار، في معركتها الانتخابية ـ السياسية، وقد أسندت برنامجها الى مرجعية إتفاق الطائف، أن تضيف ما طرحه السيد نصرالله من "تحويم" حول "المثالثة"، ولو بصيغة غير مباشرة، وباسم "ملاحظة" تناقض بين أكثرية "شعبية" وأخرى "برلمانية" سببه "النظام الطائفي"، الى مادة معركتها، وأن تتصدى ديموقراطياً لكل طرح بإعادة النظر في الطائف من خارج آليات تطويره نفسها.. وأن تنّبه الرأي العام اللبناني الى هذا "الخطر" المكمّل لـ"الثلث المعطل".
إنه أكثر من حقّها.. إنه واجبها فعلاً.




















