يتصاعد الجدال بين 14 و8 آذار حول طبيعة حكومة ما بعد الإنتخابات.
بإستثناء وليد جنبلاط يتلخص موقف 14 آذار بضرورة أن تشكل الغالبية البرلمانية (العادية) الحكومة وأن تكتفي الأقلية بمعارضتها في إطار المؤسسات الدستورية "تنفيذاً" لما تفترضه قواعد اللعبة الديموقراطية.
أما 8 آذار، فيتلخص موقفها بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية (والأصح التحدث عن حكومة وفاق وطني كما جاء في الطائف!) تعطى الأقلية فيها الثلث الضامن عملا بقواعد الديموقراطية التوافقية.
وفيما يبدو موقف 8 آذار أكثر إنسجاماً مع طبيعة الإجتماع اللبناني وروحية الميثاق والصيغة والعقد الإجتماعي – السياسي الذي يشكله اتفاق الطائف، غير أن خلفيات هذا الموقف لا تخفى على أحد، حيث أن "حزب الله" يتجنب، في حال حاز على الغالبية النيابية، إستنساخ تجربة غزة في لبنان وفي المقابل "يستمر في حماية المقاومة بالدولة"، عبر إشراك الخصم في الحكومة طالما أن ميزان القوى العسكري – الأمني خارج إطار المؤسسات الدولتية يميل بشكل واضح لمصلحته ويسمح له بالتالي بالتحكم باللعبة السياسية. كما يكمن في تأمين الثلث الضامن لنفسه إذا فازت 14 آذار بالغالبية.
وإلى جانب هذا الهدف الرئيس ثمة هدف مهم آخر يكمن في تحفيز المسيحيين، في إطار السياسة الرعناء القائمة على المفاضلة بين السنة والشيعة، للتمسك بالتحالف مع الشيعة كونهم أكثر مراعاة لهواجس المسيحيين ومصالحهم في مقابل "غولنة" سياسية وإقتصادية مفترضة لأهل السنة.
أما 14 آذار، فلضرورات المواجهة السياسية عند البعض، أو بالأصل لرفض لمفهوم الديموقراطية التوافقية عند البعض الآخر، كون هذا البعض يعتبر هذا المفهوم هرطقة أو أنه يقيد غلبته الطائفية و/أو المذهبية في السلطة، يتم تجاوز مسلمات الكيان اللبناني المنصوص عنها في مؤلفات ميشال شيحا، منظر الميثاق والصيغة الأول، والواردة في اتفاق الطائف ودستور الجمهورية الأولى والثانية وفي الإرشاد الرسولي ومؤخراً في "شرعة العمل السياسي" التي وضعتها الكنائس اللبنانية مجتمعة.
ولموقف 14 آذار خلفياته أيضاً. فإذا فازت بالغالبية، تحكم وحدها وتخرج الدولة من وضع الشلل (حكومة تعطيل أعمال على حد قول الوزير شطح) الذي أوقعها فيه "الثلث المعطل". وإذا فازت 8 آذار بالغالبية، تتحمل الأخيرة وحدها مواجهة الوضع الخطير الناشئ من جراء فوزها (ترجيح حدوث حرب مدمرة على لبنان وإنهيار إقتصادي ومالي وإجتماعي).
والحقيقة أن 14 آذار لن تتمكن من تشكيل الحكومة منفردة أو دون ثلث ضامن إذا فازت بالغالبية، لسبب بديهي أن ميزان القوى على الأرض ليس لمصلحتها، فتكون حينذاك أمام خيار حكومة تعطيل أعمال أو 7 أيار آخر. في المقابل، ليس من حق 8 آذار أن ترغم 14 آذار على المشاركة في الحكومة إذا فازت بالغالبية (وقد لا تفعل) ولن يكون بمقدورها إذا تمكنت من ذلك أن تتلافى تحويل لبنان إلى غزة ثانية حتى لو شاركها بعض 14 آذار في الحكومة.
لذا، تبرز الحاجة الماسة أن لا تفوز 14 آذار ولا 8 آذار بالغالبية (65 مقعداً) لأن فوز الأولى يشكل إستمراراً للوضع القائم، أي شلل الدولة، وفوز الثانية تدهوراً في غاية الخطورة للوضع في لبنان.
وإزاء هذا المشهد، لا بد من إعادة الأمور إلى نصابها عبر التذكير بالحقائق العامة التالية:
1- حكومة الوفاق الوطني ليست الحكومة الإستثنائية المنوط بها تنفيذ اتفاق الطائف ليس إلا. إن روحية هذا الإتفاق الذي جدد الصيغة والدستور، تدلل بما فيه الكفاية، على أن تكون أية حكومة حكومة وفاق وطني. وإلا ما معنى أن يقال في مقدمة الدستور: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"؟! وما معنى أن تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء الذي يتخذ قرارته توافقيا فإذا تعذر ذلك فبالتصويت، أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء؟! وما معنى أن تعتبر الحكومة مستقيلة إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها؟! إن هذه المواد الدستورية لا تدع مجالا للشك في أن أية حكومة لا تتمتع بميزات حكومة وفاق وطني تكون مخالفة للدستور ومناقضة لميثاق العيش المشترك.
2- إن لب الوفاق الوطني يكمن في توافق الطوائف اللبنانية على معالجة القضايا الوطنية في إطار العيش المشترك والمؤسسات الدستورية على القاعدة الأساسية لإتفاق الطائف، وهي التساوي الفعلي بين المسيحيين والمسلمين في السلطة والتوازن بين المذاهب المكونة لكل من المجموعة المسيحية والمسلمة إلى حين إلغاء الطائفية تبعاً للآلية المشار إليها في المادة 95 من الدستور المعدل. من هنا، فإن تشكيل حكومة وفاق وطني لا يمكنها أن تستثني من صفوفها من يمثل 70 % من المسلمين أو المسيحيين، كما حدث في زمن الوصاية السورية مع التيار السيادي المسيحي آنذاك أو في حكومة السنيورة الأولى مع التيار الوطني الحر. في المقابل، لا يعني تشكيل حكومة وفاق وطني تمثيل جميع القوى السياسية قاطبة لإستحالة هذا الإمر في غالب الأحيان، كما لا يعني إرغام قوى رئيسية أن تتمثل في الحكومة لأن هذا الأمر منافٍ للديموقراطية.
3- لم يتح للبنانيين إختبار فعلي لدستور الجمهورية الثانية المعدل وفق إتفاق الطائف نتيجة الظروف الإستثنائية التي عاشها لبنان: ففي مرحلة الوصاية السورية كانت تدار الدولة اللبنانية من دمشق عبر عنجر، وفي المرحلة الحاضرة ظل السلاح الخارج عن أطر المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة يلقي بثقله على الحياة الدستورية والسياسية اللبنانية.
4- من هنا، وتنفيذاً لمفهوم حكومة الوفاق الوطني، يمكن مجموعة قوى سياسية تتمتع بغالبية المقاعد في المجلس النيابي أن تشكل حكومتها حتى دون إشراك القوى الأخرى، شرط أن لا تقل نسبة تمثيل المسيحيين أو المسلمين عن 40 % في الغالبية النيابية وشرط أن لا تتعدى نسبة تمثيل الأقلية النيابية لدى الموارنة أو السنة أو الشيعة 75% من مجموع مقاعد كل من المذاهب الثلاثة الرئيسة. في الحالات المغايرة، لا بد من تشكيل الحكومة على قاعدة الشراكة بين الغالبية، إذا وجدت، والأقلية (أو الأقليات)، إذا شاءت الأخيرة أن تشارك في الحكومة وعلى مشاركة الكتل النيابية الرئيسة في حال لا وجود لغالبية نيابية، على أن يكون لرئيس الجمهورية في هاتين الحالتين العدد الكافي من الوزراء لكي يتحكم هو بغالبية الثلثين فلا تتعطل الحكومة ولا الحكم، ويلعب رئيس الجمهورية حينذاك دوره كحكم مقتدر. أقترح أن تعتمد هذه القواعد عرفاً بغية تسهيل تشكيل حكومات الوفاق الوطني.
5- وهنا، لا بد من ملاحظة أن شلل الحكومة الحاضرة ناتج عن رفض إعطاء رئيس الجمهورية العدد الكافي من الوزراء لحسم غالبية الثلثين، أي رفض صيغة 16-10-4، خلافاً لرأي وزراء الخارجية العرب قبيل إتفاق الدوحة.
6- هذه هي طبيعة الديموقراطية اللبنانية التنافسية داخل الطائفة أو المذهب الواحد والتوافقية بين الطوائف والمذاهب. فتجارب الديموقراطية العددية في عدد من البلدان قد لا تتلاءم مع الوضع اللبناني. المهم هو أن يكون النظام الديموقراطي اللبناني كغيره من الأنظمة الديموقراطية، الشكل الخاص الذي يتخذه تنظيم ممارسة الحرية ضمن إطار الخصوصيات اللبنانية. فالمطلوب من بعض 14 آذار عدم التنكر لخصوصية الديموقراطية اللبنانية خدمة لأهداف سياسية أو حتى وطنية تكتية وإن كان بعضها مهماً، والمطلوب من غالبية 8 آذار أن تثبت جديتها في تمسكها بالديموقراطية التوافقية وأن لا تستغلها لأهداف خاصة بها وأن تنقلب عليها في مراحل لاحقة. والمؤسف أن الجسم السياسي اللبناني بكل تلاوينه لم يثبت جديته بالتمسك بالكيان اللبناني حيث الكل أخفق في إنتاج قانون إنتخابي يحترم القاعدة الكيانية الأساسية للطائف القائلة بالتساوي الفعلي بين المسيحيين والمسلمين في السلطة إلى حين إلغاء الطائفية عبر آلية محددة في المادة 95 من الدستور. وهذا الأمر قد يكون بيت القصيد في أزمة لبنان المستعصية.
تأسيسا على ما تقدم، المطلوب من الانتخابات النيابية أن تشكل محطة استقرار، لا انفجار، وأن تفتح "التوافقية في السلطة" الباب أمام التوافق حول المسائل الوطنية والكيانية كافة بدءاً بحصرية السلاح وقرار إستعماله بيد الدولة اللبنانية دون سواها لأن دون تحقيق هذا الأمر، يظل وجود لبنان الكيان والدور والرسالة مهددا.
(سياسي لبناني)
"النهار"




















