منتصف القرن الماضي كانت العواصم العربية تستقبل العديد من الوفود، سواء من دول الشرق أو الغرب، وظلت المؤتمرات القارية والعالمية جزءاً من النشاط السياسي العربي وعرفنا في تلك السنين قمم «الأفروآسيوية» ودول عدم الانحياز، ولم يقتصر الأمر على تحرك قادة الدول بل عندما كانت الأحزاب والهيئات، والقوى المتعددة الوطنية، هي التي تقود تلك الحوارات واللقاءات.
وكان من مكاسب تلك المرحلة أن معظم الدول الأفريقية والآسيوية، وحتى اللاتينية في الجنوب الأميركي، قبلت أن تتظاهر في حروب العرب منذ 1956 بالعدوان الثلاثي على مصر، وحتى 1967 رغم الهزيمة من إسرائيل، وظلت مقاطعة تلك الدول معبرة عن روح متضامنة حتى إن إسرائيل ظلت تعيش حصاراً سياسياً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وعندما صدر القرار الشهير الذي قال: «إن الصهيونية جزء من الحركات العنصرية» كان الكارثة الأكبر عليها.
صحيح أن المنظومة الاشتراكية لعبت دوراً مؤثراً في تلك الأحداث، وأن أزمة السويس هي التي فتحت السوق الشرقي للسلاح والدعم السياسي والمعنوي مما دفع دولاً غربية مناهضة للشرق أن حاولت كسب الود العربي، حتى إن هناك من نادى أن نكون لاعبين بامتياز على كلا المعسكرين للحصول على مكاسب كبيرة وبالفعل كان الإدراك العام أن المنطقة العربية مهمة استراتيجياً وسياسياً، غير الاندفاع الأعمى بمحاولة فصل السياسي المؤدلج عن المصالح القومية، جعل الفتور يسود العالم وخاصة بعد توقيع مصر الاتفاق مع إسرائيل على سلام مطلق، أن سحبت تلك الدول، بما فيها الإسلامية تأييدها، وعودة العلاقات مع تل أبيب وكانت نكسة حقيقة لمشروع سياسي عربي، لو استثمر لكانت المكاسب كبيرة..
في الوقت الراهن ليس لنا سند مباشر من دول الثقل الدولي، والأسباب طويلة ومعقدة، إذ أن تصدع الجبهة العربية، وبروز الإرهاب، ونفوذ إسرائيل في المنطقة وخارجها، ودواعي 11 سبتمبر، غيرت الموازين، والدليل أن حروب العقدين الماضيين، أو الثلاثة، كانت تخطط وتنشأ باعتبار المنطقة مجرد بيئة صالحة للاحتواء، والاعتداء، بما في ذلك الاحتلال، مثلما جرى للبنان والعراق، والغريب في الأمر أن دولاً أكثر ضعفاً من العرب، استطاعت أن تطرح لها مشاريع اقتصادية وسياسية، وحتى عسكرية مثل باكستان وكوريا الشمالية، صارت تأخذ أهميتها من تلك المكاسب بما في ذلك وزنها السياسي والأمني..
فالخارطة العربية في المشرق والمغرب، ممزقة العمق والأطراف نتيجة خلافات بعضها مفتعل، والآخر يأخذ شكل الصراع على الأدوار، وكل يدعي أنه قائد الأمة في وقت أصبحت الدول تعمل بنموذج المصالح، وحتى هذه لا زال العرب بعيدون عنها.




















