شاعت في الأدبيات السياسية اللبنانية في السنوات الأخيرة مصطلحات مثل المراجعة والتقييم والانكفاء، بيد ان اطرف المفردات الشائعة كانت وما تزال: اعادة التموضع! والمراد بذلك سعي بعض الاطراف المحلية الى التلاؤم مع الأوضاع المستجدة على المستويين الاقليمي والدولي بعد ان ظهرت الحاجة لذلك في المتغيرات التي حصلت والتي لا تتفق مع النهج أو السلوك الذي اتخذه هذا الطرف او ذاك.
وعلى رغم الصغر في الساحة اللبنانية فان عمل اطراف لبنانية بارزة في العقد الماضي في السياقات الاقليمية والدولية تضطرها اليوم بالفعل الى اعادة النظر في سياساتها وسلوكاتها وسواء اكان هؤلاء افراداً او جهات حزبية أو سياسية. وهذا يعني ان الاضطراب الاعلاني والسياسي من هنا، والكمون والانكفاء من هناك لا يعني فقط التأثر باقتراب الانتخابات بل له علاقة ولا شك بالجاري على الساحتين الاقليمية والدولية.
ففي السنوات الماضية شكلت الولايات المتحدة في المجال الدولي، وفي الشرق الاوسط، مسلكاً ثورياً رمى الى تغيير قواعد اللعبة الدولية كلها لصالح مصالح الولايات المتحدة وقيمها كما كانوا يقولون وقد خاضت قوى متعددة، ودول في منطقتنا في هذا المجال بالطريقة نفسها اي طريقة "الفوضى البنَّاءة" التي اعتنقتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الابن. وعللت تلك الدول خوضها هذا تارة بالتلاؤم مع السياسات الاميركية الجديدة (تحت شعارات الديموقراطية والحرية واقتصاد السوق!) كما خاضت جهات ودول أخرى تلك اللعبة المخالفة لقواعد الشرعية الدولية واحترام استقلال الغير وخياراته بحجة مصارعة الولايات المتحدة وسياساتها وممارساتها. وأفاد هؤلاء وأولئك بالفعل من الفوضى التي ضربت اطنابها في سائر الأنحاء. ولذلك فقد حفلت المنطقة واطرافها وامتداداتها بالحروب الصغيرة والكبيرة وبالأزمات السياسية والأمنية، وبالمزاج وأحداث الابادة، وبالخطاب السياسي العالي الوتيرة في كل الظروف.
ان هذه الحقبة كلها توشك على الانتهاء او انها انتهت. وقد كان العرب المشاركون في الاضطراب بمختلف الحجج وغير المشاركين هم الأكثر خسارة واجهاداً. اذ تضرر كل من العراق والسودان والفلسطينيين واللبنانيين والموريتانيين والصوماليين وبشكل مباشر بينما تضرَّر العرب الآخرون بأشكال غير مباشرة لأنهم عانوا من محاصرة الولايات المتحدة، ومن سلوكياتها الهائجة والعشوائية.
اما الأطراف العربية التي شاركت في الهياج من مواقع رد الفعل او التوجس او التبعية لأطراف اقليمية فانها تحاول اعادة النظر وبطرائق ملائمة احياناً او غير ملائمة احياناً اخرى. ومن المحاولات غير الملائمة المحاولة السورية التي تصر اللآن بل ومنذ سنة على الرعاية الأميركية ليس من أجل التوازن مثلاً؛ بل من أجل التفاوض المباشر مع اسرائيل؛ وذلك شأن ليبيا التي انكفأت وانطوت تحت جناح الولايات المتحدة منذ سنوات بعد تمرد دام ثلاثة عقود.
لكن لان سوريا ما كانت تمارس الاضطراب في العراق ولبنان وفلسطين من مواقع رد الفعل، ولصالحها وحسب؛ فانها تعاني من الحيرة بين الاستتباعين، الاستتباع السابق لايران والاستتباع الذي تسعى اليه الآن للولايات المتحدة. والسياسات الجديدة التي تحاول اتباعها تستلزم سلوكاً جديداً على العلاقات التي بنتها مع الأطراف الاقليمية، ومع الأطراف الممانعة في العراق وفلسطين ولبنان.
وهذا التذبذب السوري ينعكس قلقاً على الساحة اللبنانية من جانب الأطراف التي تتبع سوريا وتتأثر بتغييرات سياستها. ولا شك ان وضع حزب الله يختلف في ذلك عن وضع الاطراف المسيحية والرئيس نبيه بري. فحزب الله يتأثر بالوضع الايراني اكثر. والأطراف الممانعة (الممانعة لمن؟!) الأخرى تتأثر اكثر بالوضع السوري. وسيتمظهر الاضطراب اكثر اذا كانت هناك خطوة سورية باتجاه التفاوض مع اسرائيل قبل الانتخابات في لبنان، او كانت هناك خطوة اوضح باتجاه التفاوض بين ايران والولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية في ايران والتي تتزامن مع الانتخابات النيابية في لبنان ايضاً.
وليست هناك حيرة كبيرة لدى الاطراف السياسية اللبنانية التي تتأثر بالموقف العربي العام. وهو موقف اوضحه الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما دعا الى المصالحة العربية الشاملة في قمة الكويت. فالسياسة السعودية ما شاركت في الاضطراب الذي احدثته الولايات المتحدة في العالم والمنطقة، كما انها ما افادت من ذلك الاضطراب لان العرب جميعاً كانوا تحت الحصار بحجج الارهاب واللاديموقراطية… الخ. ولذا فان المصالحة العربية تعني الآن كما عنت من قبل: صون الاستقرار وصون التنمية وصون المصالح العربية الكبرى في فلسطين ولبنان والعراق والسودان. ولذلك يقتصر "الاختلاف" في خطاب المعكسر العربي بلبنان قبل الانتخابات على الحديث عما يمكن ان يجري بعد الانتخابات من مشاركة في الحكومة العتيدة او عدم المشاركة بناء على نتائجها. وهذا خلاف تفصيلي تؤثر فيه بالطبع الأوضاع بالمنطقة، لكن تؤثر فيه اكثر الأوضاع المحلية على الساحة اللبنانية.
"المستقبل"




















