ماذا اذا تبنّت إيران حركة البوليساريو التي تعمل على فصل الصحراء الغربية عن المغرب واعلانها دولة مستقلة؟. ماذا اذا زوّدت ايران هذه الحركة السياسية المسلحة بالمال والسلاح كما تفعل في لبنان مع حزب الله، وفي فلسطين مع حركة حماس؟. وماذا اذا صحّت ادعاءات المغرب بأن ايران تعمل على ضرب النسيج المذهبي المالكي الذي تقوم عليه الوحدة الوطنية في المغرب، ليس مذهبياً فقط، انما عنصرياً أيضاً (بين العرب والأمازيغ)؟.
تنطلق علامات الاستفهام هذه من الاتهامات التي وجّهها المغرب الى ايران كمبرّر لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية معها.
غير ان التساؤل الأهم يتعلق بموقف الجزائر التي كانت منذ عام 1975 حتى اليوم، الداعم الأول لحركة البوليساريو دبلوماسياً وسياسياً وحتى عسكرياً؟. فاذا كانت الاتهامات المغربية صحيحة، فهل تتحمل الجزائر النتائج المترتبة على تحوّل البوليساريو الى قوة اقليمية مسلحة متحالفة مع ايران ؟. واذا كان الجواب بالنفي، كما هو مفترض، هل يتحول التحالف الجزائري مع البوليساريو الى تحالف جزائري ـ مغربي ضد التوجه الجديد للبوليساريو؟.
ثم ماذا عن مواقف كل من منظمة المؤتمر الاسلامي وجامعة الدول العربية ، ومنظمة الوحدة الافريقية ، وحتى الاتحاد المغاربي المتعثر بسبب الاختلاف حول قضية الصحراء الغربية بالذات ؟.
من حيث الشكل، فان البوليساريو هي كلمة مركبة تمثل الاحرف الأولى باللغة الاسبانية لعبارة جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
ومنذ انسحاب اسبانيا من الصحراء في عام 1975 رفعت هذه الجبهة شعار المطالبة بالصحراء دولة مستقلة رغم افتقارها الى الحدّ الأدنى من مقومات الدولة بشرياً واقتصادياً وادارياً وأمنياً . ولولا ثروتها الكبيرة من الفوسفات لما أثارت كل هذا الاتهام .
أما من حيث الأساس فقد كان المغرب يمتد تاريخياً من البحر المتوسط شمالاً حتى نهر السنغال جنوباً . ولقد تقبّل المغرب على مضض استقلال موريتانيا. الا انه لم يبدِ اي استعداد للتخلّي عن الصحراء .
اما الجزائر التي خاضت في مطلع الستينات حرباً محدودة مع المغرب حول الحدود في منطقة تندوف التي تقع على الحدود بين البلدين، فقد أيّدت بحرارة شعار استقلال الصحراء ودعمت جبهة البوليساريو مادياً وعسكرياً وسياسياً . فقامت الحرب في الصحراء التي استمرت منذ ذلك الوقت والتي أرهقت اقتصاد البلدين، اضافة الى ما تسببته من خسائر بشرية كبيرة .
كان السؤال لدى بداية الأزمة وحتى اليوم هو: هل ان العالم العربي يحتاج الى دولة جديدة ؟. واي تغيير استراتيجي يحققه قيام الدولة الصحراوية في المغرب العربي؟.
اما الآن فان التطورات التي كشف عنها الموقف المغربي تعيد صياغة السؤال على خلفية العلاقات العربية الايرانية التي لا تمرّ في أحسن أحوالها. وهو هل يتحمّل العالم العربي دوراً جديداً لإيران على شاطئ الاطلسي مماثل لدورها في الخليج العربي المتمثل في احتلال الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى؟.
للاجابة عن هذا السؤال لا بد من الاشارة الى الامرين التاليين: الامر الأول هو التجربة الموريتانية. فبالرغم من ان موريتانيا تتمتع ببعض المقومات الذاتية التي تمكّنها من التصرف كدولة، الا ان حاجتها الى المساعدة الخارجية نقلها من الحضن الفرنسي الى حضن حزب البعث (جناح العراق سابقاً) ومن حضن البعث الى الحضن الليبي . ومنه انتقلت الى الحضن الاسرائيلي حيث كانت حتى الحرب الاسرائيلية الأخيرة على غزة، الدولة العربية الوحيدة من غير الدول الملتزمة معاهدة سلام مع اسرائيل التي تقيم علاقات دبلوماسية كاملة معها. حتى ان وزير خارجيتها تعمد القيام بزيارة رسمية لتل أبيب لتهنئة الجنرال اريال شارون بانتخابه رئيساً للحكومة. واذا كان هذا الواقع المرير والمؤسف يصور كيف ان ضعف الامكانات لدى موريتانيا جعلها دولة في مهب رياح المتغيرات.. فكيف بالصحراء الاكثر فقراً وضعفاً ؟.
ثم ان ايران هي دولة اسلامية (وليست اسرائيل) مما يدفع البوليساريو الى الذهاب بعيداً في التحالف معها وفي الاعتماد عليها كبديل عن الجزائر ، اذا ما تضامنت هذه الأخيرة مع المغرب.
اما الامر الثاني فهو ما يجري في الجزائر من صراعات داخلية تهدد الوحدة الوطنية وتهدد بالتالي وحدة الدولة التي دفعت اكثر من مليون شهيد ثمن انتزاع استقلالها من فرنسا. فالاضطرابات ذات البعد العنصري بين العرب والأمازيغ (أحداث تيزي أوزو في شرق وجنوب شرق العاصمة الجزائرية) تشير الى ان ثمة أيدي خارجية تعبث بوحدة الجزائر وتريد بها شراً . فماذا اذا صحّت اتهامات المغرب بأن ايران دخلت على خط البوليساريو ؟..
استناداً الى ما يقوله وزير خارجية المغرب الاسبق محمد بوستة فان الصحراء الغربية هي مصدر السلاح الذي يستخدم في اعمال العنف الدامية التي تعانيها الجزائر منذ عدة اعوام. وهو يعني بذلك ان السلاح الذي زوّدت به الجزائر حركة البوليساريو لمقاتلة المغرب قد ارتدّ عليها ـ مع الاسف الشديد . ذلك ان وظيفة السلاح هو القتل. وعندما خمدت الحرب في الصحراء بعد اتفاق وقف النار الذي رعته الامم المتحدة، وجد هذا السلاح وظيفة جديدة له في الجزائر حيث حصلت عليه الجماعات التي تدّعي الاسلام وتغير على القرى النائية فتذبح وتقتل لمجرد اثارة الرعب والانتقام. واذا أصبح السلاح مرتبطاً بمشروع ايراني للمنطقة، فماذا تكون النتيجة ؟.
من هنا وجوب التصرّف على قاعدة ان سلامة المغرب هي من سلامة الجزائر وبالعكس من دون ان يكون ذلك على حساب حقوق الصحراويين. ومن مقتضيات هذه السلامة العمل معاً على سحب فتائل القنابل الموقوتة من قضية الصحراء الغربية ـ التي يبدو ان أبوابها فتحت كما يقول المغرب ـ على احتمالات الاستغلال الايراني ، حتى قضية الامازيغ ـ التي تؤكد الجزائر انها موضع استغلال خارجي ـ مروراً باستثمار الثروات المعدنية على الحدود المشتركة .
وفي ضوء ارتفاع معدلات الولادة وانخفاض فرص العمل والتضييق الأوروبي على الهجرة والقيود على الصادرات الى دول السوق المشتركة، فان الدولتين الشقيقتين محكومتان بالتعاون وبإعادة الصدقية الى مجلس التعاون المغاربي الذي يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة. وتشكل التجربة الناجحة لمجلس تعاون دول الخليج العربي مثلاً يحتذى. فبدلاً من الانفاق على التطوير الاقتصادي وعلى التنمية الاجتماعية، امتصت رمال الصحراء المليارات من الدولارات من خزائن المغرب والجزائر لتزيد معاناة شعبيهما ولتعمق الهوة السياسية بين حكومتيهما، حتى ان الحدود المشتركة بينهما مقفلة منذ عقود مما قطع جسور التبادل والتكامل بينهما.
اذا لم تكن المعاناة الاقتصادية كافية وحدها لوقف عملية النزف، واذا لم يشكل الخطر الجدي من احتمال اصطناع وتفجير قضية الامازيغ حافزاً للتفاهم، واذا لم يكن الاستنزاف الصحراوي درساً كافياً لوقف تدهور العلاقات ، ألا يشكل الخوف من احتمال التوظيف الايراني للبوليساريو سبباً للعودة الى الاخوة والى مقتضيات المصير المشترك؟..
تعرف الجزائر، كما يعرف المغرب، ان ثمة قوى اجنبية تعمل على استغلال قضية الامازيغ وعلى التحريض على الفتنة العنصرية في شمال افريقيا. وتعرفان ايضاً ان هذا الامر يجري منذ سنوات طويلة، وان عمليات التحريض لم تتوقف ابداً.
فقد عجز الفرنسيون اثناء احتلالهم للمغرب والجزائر عن ضرب الوحدة الوطنية بين العرب والامازيغ . وقضية "الظهير البربري" اي المرسوم البربري الذي أصدره المفوض السامي الفرنسي في المغرب في عام 1930 يشكل علامة بارزة في هذا الشأن.
فقد حاول الظهير البربري اغراء البربر بمنحهم حق اللجوء الى محاكمهم الخاصة التي تعتمد على الاعراف والعادات القبلية الخاصة بهم والتحرر بالتالي من اي التزام بالمحاكم الشرعية التي تستند الى الشريعة الاسلامية. ولكن البربر ـ الأمازيغ ـ تضامنوا مع اخوانهم العرب في اسقاط تلك المؤامرة على وحدتهم الوطنية، وقطفوا ثمن ذلك الاستقلال عن فرنسا. الا ان محاولات شق الصف لم تتوقف منذ ذلك الوقت.
فهل يشكل اتهام ايران بتبنّي حركة البوليساريو سبباً لوعي مغربي ـ جزائري يوحّدهما في وجه هذا الاحتمال الخطير، ويكون مدخلاً لاعادة ترتيب علاقاتهما الثنائية في اطار الوحدة المغاربية ؟.
في عام 1960 اتخذت الجامعة العربية في مؤتمر عقدته في شتورا بلبنان، قراراً بتأييد حق المغرب في موريتانيا وباعتبارها جزءاً من المغرب. الا ان الجامعة اضطرت الى التراجع عن هذا القرار فيما بعد تحت الحاح الجزائر ، فوافق المغرب بالتالي ولو عن غير رضى على استقلال موريتانيا، وخضع للأمر الواقع الجديد. وهكذا قامت موريتانيا دولة مستقلة. ولكن الجزائر الدولة الامثولة في النضال من اجل التحرر في العالم ترى بأسى كيف ان موريتانيا انفتحت على اسرائيل متحدّية بذلك مشاعر العرب والمسلمين قاطبة .
ولئلا تتكرر مثل هذه الفاجعة القومية في الصحراء، بات من المحتم ان تعمل الجزائر والمغرب على معالجة هذه القضية وتحويلها من سبب لتصارعهما الى سبب لتفاهمهما واتحادهما.
فعندما يعاني الجناح الغربي للوطن العربي من خطر التمزق بسبب قضية الصحراء الغربية (خاصة اذا دخلت ايران على الخط)، وبسبب قضية الأمازيغ، تضعف مقومات المجابهة والصمود في وجه الخطر الصهيوني الذي يتهدد الامة العربية مشرقاً ومغرباً في مصيرها ومستقبلها .
لا يحتاج العالم العربي الى مزيد من بؤر الاستغلال الخارجي. فالانقسامات عرقية كانت او طائفية او مذهبية مرض معدٍ وسريع الانتشار.
"المستقبل"




















