انتهت اليوم اجتماعات مؤتمر المياه العالمي الخامس الذي اشرف على تنظيم اعماله في اسطنبول مجلس المياه العالمي بالتعاون مع الحكومة التركية. ويُعقد هذا المؤتمر مرة كل ثلاث سنوات لمناقشة الحلول المطروحة بالنسبة الى ازمة شح المياه في مختلف اقطار العالم.
وكالعادة، قدم ممثل الامم المتحدة في هذا المنتدى تقريره حول برنامج المنظمة بمشاركة اكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة وعشرين الف مهندس وخبير يمثلون 140 دولة.
واعتبر امين عام المنتدى الدكتور اوكتاي تاباسران، ان الهدف من عقد هذا المؤتمر، هو زيادة الاهتمام ببرنامج البيئة باعتبار ان ثلثي سكان الارض سيعيشون تحت اوضاع شح المياه بحلول 2025. وعلى هامش التركيز على هذه الهواجس، اشار ايضا الى ضرورة نشر الوعي بخطورة المشاكل المتعلقة بأزمة المياه، والاتفاق على سن قوانين تمنع الحروب من اجل الحصول على المياه.
الحكومة التركية استثمرت المناسبة لتطلق على المؤتمر شعارا سياسيا هو: "بناء الجسور بين مختلف المحاور المتعلقة بالموارد المائية". وكانت بهذا الشعار تؤكد على اهمية الدور الذي تلعبه اسطنبول كمدينة تاريخية ساعدت على جسر العلاقة بين الشرق والغرب. وبفضل هذا الدور حملت تركيا لقب "جانوس" اله البدايات والنهايات عند الرومان الذي اكتشف تمثاله على شكل رأس بوجهين.
ومن اجل تشجيع البلديات على الاقتداء بادارات المدن المهتمة بتطبيق التقنيات الحديثة المتعلقة بالمياه، اظهر المنتدى افضل المساهمات من دول عدة بينها برسين (اوستراليا) شتوتغارت (المانيا) فيينا (النمسا) باريس وستراسبورغ (فرنسا) روتردام (هولندا) بوينس آيرس (الارجنتين) لوزان (سويسرا) واسطنبول (تركيا).
تقرير ممثل الامم المتحدة حذر من تفاقم ازمات المياه بعدما رسم صورة قاتمة عن شح موارد المياه العذبة. وعرض توقعات مقلقة تتعلق بضعف الاستثمار وسوء الادارة وعدم الاهتمام السياسي بمشاكل المياه ونتائجها المؤذية. واكد التقرير تنامي الطلب على المياه بزيادة 64 مليار متر مكعب، مع توقع تخطي التعداد السكاني العالمي 9 ملايين نسمة بعد اربعين سنة. واشارت الارقام التي عرضها رئيس المجلس العالمي للمياه لويك فوشون، الى ان 79 في المئة من مياه الامطار تسقط في المحيطات، و2 في المئة في البحيرات، و19 في المئة فقط على اليابسة. كذلك تمثل المياه المالحة 97,5 في المئة من مياه الارض، علما بأن المياه العذبة المتوافرة من ذوبان الثلوج والكتل الجليدية لا تشكل اكثر من نسبة 2,5 في المئة.
اما في القطاعات المستخدمة للزراعة فان نسبة الاستهلاك الاجمالي تصل احيانا الى 70 في المئة، بينما لا تتعدى نسبة الاستهلاك في الصناعات 20 في المئة مقابل 10 في المئة للاستخدامات المنزلية.
في شباط من السنة الماضية، عقد في عمان اول مؤتمر اقليمي اشرفت على تنظيمه وزارة المياه والري الاردنية، وشارك في جلساته اكثر من 150 مندوبا عن 19 بلدا، جمعت بينهم الهموم المرتبطة بدور القطاعين العام والخاص في ما يتعلق بتحديد استراتيجيات ادارة الموارد المائية.
وكان الامير خالد بن سلطان، مساعد وزير الدفاع والطيران السعودي، قد حذر من خطر النزاع على نقطة الماء اثناء مخاطبته المؤتمر الدولي الثاني عشر لتكنولوجيا المياه الذي عقد في الاسكندرية السنة الماضية، ثم جدد تحذيره بضرورة وضع استراتيجية تحول دون اندلاع حروب المياه، وذلك خلال حفلة تسليم الجائزة العالمية للمياه التي خصصها ولي العهد السعودي الامير سلطان، لأفضل الدراسات المعنية بهذا الموضوع.
وبما ان المبادرات السابقة ساعدت على التوصل الى نظرة مشتركة لتنظيم المياه الاقليمية واستثمار الانهر الحدودية مثل انهار النيل والنيجر والسنغال ودجلة والفرات، فان ممثل فرنسا استغل منتدى اسطنبول ليجدد طلب المصادقة على اتفاق الأمم المتحدة بشأن توزيع المياه اي اتفاق 1997 الذي بقي حبرا على ورق.
واستغل الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيوف، هذا المؤتمر ليكتب عن حروب المياه ويحذر من تأجيج النزاعات الحدودية في سبيل السيطرة على مصادر المياه الحيوية، وقد مشكلة دارفور، كمثال على الاضطرابات التي نجمت عن خلاف المزارعين مع الرعاة الرحل جراء الجفاف المزمن ورأى ان الحرب التي تربك المجتمع الدولي اليوم هي ثمرة تعاظم العنف بين هذين الفريقين قبل ان تسيس لأسباب عنصرية واقتصادية. واقترح غورباتشيوف الاستعانة بالاقمار الاصطناعية من اجل تحديد طرق الرعاة وقطعانهم الامر الذي يعزز فرص الحوار بين الجماعات المتنافسة على المياه. وتوقع امتداد عمليات التصحر الى الدول المحاذية لدارفور مثل تشاد، مطالبا بضرورة تنفيذ مشاريع جر المياه بواسطة انابيب الى المناطق النائية.
وشاركت صحيفة "اندبندنت" البريطانية غورباتشيوف مخاوفه، وكتبت افتتاحية اعتبرت فيها ان مشكلة دارفور ليست اكثر من جرس انذار لما قد ينطوي عليه الوضع في المستقبل. وقالت ان هناك اكثر من 215 نهرا كبيرا مشتركا، اضافة الى 300 بحيرة واحواض للمياه الجوفية المشتركة ايضا بين دولتين او اكثر، يمكن ان تتسبب في نزاعات بشأن ملكية هذه المصادر وشرعية استخدامها.
مجلة "ايكونومست" اجرت منذ سنة مسحا شاملا لمناطق التوتر التي تخضع لصراعات الاستيلاء على المياه. وذكرت مواقع كثيرة مثل حوض النيل الذي يتعرض لانشاءات السدود، الامر الذي ينذر بالخلاف بين اثيوبيا والسودان ومصر. والسبب ان مصر والسودان تنالان ما نسبته 75 في المئة من مياه النهر في حين تتقاسم الربع الآخر عشر دول، وذلك وفق اتفاقية وضعت في اوائل القرن الماضي. وتطالب الدول الافريقية بضرورة مراجعة هذه الاتفاقية، الا ان مصر ترفض
بشدة هذا الطلب لأن عدد سكانها يفوق اعداد تلك الدول مجتمعة.
وفي افريقيا ايضا انفجر النزاع بين انغولا وبتسوانا وناميبيا حول عملية استثمار مياه حوض "اوكافانغو". وعندما حاولت الصين تحويل مجرى نهر "براهما بوترا" اعترضت الهند وهددت بالتدخل العسكري لأن هذا العمل يحرم مقاطعاتها الزراعية من المياه. وعلى رغم العلاقات المميزة التي تجمع كندا بجارتها الولايات المتحدة، فان تلوث البحيرات الحدودية المشتركة خلق ازمة سنة 2006 كانت تستدعي تدخل القوات المسلحة.
وفي مؤتمر روما الذي دعت اليه منظمة الاغذية والزراعة "الفاو"، اثارت وزيرة الموارد المائية والبيئة الاوغندية ماريا موتغامبا، موضوع التلوث في بحيرة فكتوريا. وقالت ان افريقيا التي تملك 9 في المئة من الموارد المائية في العالم لا تستخدم اكثر من 3,8 في المئة. وذكرت أن هذه الموارد موزعة جغرافيا بشكل عشوائي، مشيرة الى ان بحيرة فيكتوريا – اكبر خزان لمياه الشرب في القارة الافريقية – تدنى منسوبها مترين سنة 2005.
سنة 1998 كادت السدود التي تبنيها تركيا – وعددها عشرون – تتسبب في نشوب نزاع مسلح مع سوريا التي رأت ان مشروع جنوب شرقي الاناضول، سيؤدي الى انخفاض منسوب نهري دجلة والفرات، الامر الذي يؤثر على كمية المياه بالنسبة لها وللعراق. وفي آذار سنة 2007 عقد اجتماع ثلاثي ضم وزراء الطاقة والمياه في تركيا وسوريا والعراق، اتفق خلاله على اقتسام مياه نهري دجلة والفرات.
تدعي اسرائيل انها مجلية في هذا المجال لأنها طورت انظمة الري بطريقة تحدد نسبة التبخر. ولكنها في الوقت ذاته سرقت مياه لبنان (الوزاني والحاصباني) ومياه سوريا، وحولت مياه بحيرة طبريا عن الاردن. ولا يخفي الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس اطماع بلاده في الاستيلاء على مياه مرتفعات الجولان، كثمن لأي انسحاب. والملاحظ ان مشاريع الاستيطان في الهضبة قد ازدادت منذ اعلنت دمشق عن رغبتها في اجراء مفاوضات الانسحاب، ولكن تجاوب ايهود اولمرت مع الوسيط التركي، لم تمنعه من الموافقة على بناء اكبر مشاريع السيطرة على المياه السورية عبر ما يسمى بـ"مجمع القنيطرة". وتقول الصحف ان هذا المشروع ضاعف كمية المياه المسروقة لخدمة المستوطنات بحيث حرمت الاراضي السورية من اربعة ملايين متر مكعب من المياه سنويا. هذا، اضافة الى عشرين مجمعا اقيمت بفضل سدود التخزين. وقد استغلت اسرائيل بعضها سياحيا وصحيا، فاذا بها تحوّل ينابيع المياه المعدنية في "الحمة" الى مركز علاج وسياحة، علما بأن "الحمة" هي منطقة سورية اعطي حق استثمارها للثري اللبناني سليمان ناصيف. وبسبب الاحتلال استطاعت اسرائيل الاستيلاء على كل الينابيع المتفجرة من جبل الشيخ كالحصباني والوزاني، اضافة الى اهم روافد نهر الاردن الشمالية.
لبنان، حتى منتصف الخمسينات ظل موقعا فريدا لعشرات الأنهار والشلالات المتدفقة من اعالي الجبال الى السهول والشطآن. ومع ان نسبة 90 في المئة كانت تذهب هدرا، الا ان العشرة في المئة كانت كافية لسد حاجات المزارعين وشركات توليد الكهرباء وملء خزانات مياه الشرب. وحدث اثناء مرحلة الاستكفاء ان عرض المرحوم موريس الجميل على السعودية، تثبيت انبوب ملاصق لانبوب النفط الذي يحمل الطاقة الى مصفاة الزهراني، بحيث يستخدم لنقل المياه العذبة الى الظهران. ولكن هذا المشروع تبخر في الستينات بعد تحويل نهري الوزاني والحاصباني، وازدياد عدد السكان، وارتفاع الحاجة الى كميات وفيرة استخدمتها الطبقة الوسطى التي افرزها الوضع الاقتصادي المزدهر. وكان من نتائج هذه الطفرة ان فتحت شركة "الصحة" الباب امام اكثر من سبع شركات لتعبئة مياه الينابيع والآبار الجوفية المخزونة. ولما حلت ثورة 1975 كانت البيئة اللبنانية مهيأة لتلويث مياه المجاري والقنوات المستخدمة للري وكل ما تنقله الاوبئة عبر النفايات الصناعية.
اما على الصعيد التقني، فقد نجحت سياسة الرئيس فؤاد شهاب بواسطة الوزير فؤاد البزري… وسياسة الرئيس سليمان فرنجية بواسطة الوزير كمال خوري في اخراج الليطاني من بورصة التداول مع اسرائيل. ذلك ان مشروع سد الليطاني كان ابلغ رد على تصريح ليفي اشكول لصحيفة "لوموند" وقوله: لا يمكننا ان نرى مياه الليطاني تصب في البحر، في حين نحن بأمس الحاجة الى هذه المياه المهدورة.
وفي آخر عهد الرئيس الياس سركيس قدم احد المهندسين مسودة مشروع لبناء "سد بسري" قرب نهر الاولي، يتسع لكمية مياه تزيد على مئة مليون متر مكعب. وقد احتفظت به ملفات الوزارة، كما احتفظت بعدد كبير من المشاريع التي تبحث عن رئيس يتبناها…
( كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)




















