عبدالله اسكندر
عناوين التفاوض التي يقترحها الرئيس باراك أوباما على ايران واضحة. كما ان تلك التي تقترحها طهران واضحة ايضا. كل من الطرفين يريد من الطرف الآخر اعلان تراجع عن سياسته الراهنة، في الوقت الذي يرغب فيه بمساعدة في القضايا الضاغطة عليه.
تشمل هذه العناوين كل مشكلات "الشرق الاوسط الكبير"، من باكستان الى البحر المتوسط، مرورا بأفغانستان والخليج والعراق وصولا الى لبنان والنزاع مع إسرئيل، اضافة الى العلاقات الثنائية المجمدة والموقف الاميركي من النظام في طهران. وتعكس هذه العناوين قضايا وازمات شائكة ومعقدة. وفي الوقت نفسه تعني قوى في المنطقة لا تزال قادرة على الاعتراض في حال كان الحوار الاميركي – الايراني المحتمل يذهب في اتجاه يتعارض مع مصالحها. ما يزيد تعقيدات اضافية على آليات هذا الحوار.
وبدا من الكلمة التي وجهها أوباما، لمناسبة عيد النوروز، ان التنازل الاميركي الوحيد هو التلميح الى احتمال الاعتراف بالنظام الحالي في ايران والامتناع عن معاداته لصفاته الذاتية وسياسته الداخلية، والاستعداد للتعامل معه على هذا الأساس في العلاقات الثنائية. وذلك في مقابل ان تساعد ايران الولايات المتحدة في ملفاتها الضاغطة في افغانستان والعراق، على ان تدخل تغييرا على سياستها في الملفات الاخرى، خصوصاً التخلي عن برنامج نووي عسكري مفترض وعن دعم حركات في المنطقة تعتبرها واشنطن ارهابية، خصوصاً تلك التي تعلن العداء لاسرائيل، والامتناع عن تهديد الدولة العبرية والتوجه الى الاعتراف بها.
في المقابل، بدا من الردود الايرانية، وعلى لسان مرشد الجمهورية علي خامنئي، ان نجاح الحوار ليس مرتبطا بإيران التي تعتبر نفسها انها تمارس السياسة الصحيحة التي وضعتها، وانما المطلوب هو الانسحاب الاميركي السياسي والعسكري من المنطقة. اي ان ايران تفسر الدعوة الاميركية الى الحوار على انها حاجة اميركية، بعدما باتت واشنطن في مواجهة صعوبات على الارض في المنطقة وبعدما عانت سلسلة اخفاقات فيها، اضافة الى الأزمة المالية الاميركية التي تحد بطبيعتها من القدرة على الانفاق خصوصا في الميدان العسكري.
بكلام آخر، تعتبر طهران نفسها انها في موقع القوة في هذا الحوار، وانها تملك فيه من الاوراق اكثر بكثير من تلك التي يملكها خصمها. وتاليا تصبح في موقع المطالب وواضع الشروط في مواجهة الخصم المحتاج الذي لا يملك الا تلبية هذه الشروط، او على الاقل الاعتراف لإيران بحقها في تحديد مصالحها القومية، كما تراها، وفق ميزان القوى الحالي. وتتضمن دعوة ايران لاميركا بالانسحاب من المنطقة الاعتراف لها بملء الفراغ الحاصل بفعل هذا الانسحاب، وبتفوقها في الاقليم بفعل الاختلال الكبير لمصلحتها في ميزان القوى الجديد.
في اي حال، تُظهر منهجية هذا الحوار، بغض النظر عن اهداف كل طرف فيه، وكأن الطرفين هما وحدهما المعنيان بكل قضايا "الشرق الاوسط الكبير"، وان اللاعبين المحليين لا يملكون اي قدرة على الفعل، وعليهم القبول بما يمكن ان ينتج عن هذا الحوار، وهو قد يكون على حساب مصالحهم.
من البديهي ان تعارض إسرائيل اي تقارب اميركي – ايراني، ليس فقط انسجاما مع الموقف التقليدي الاسرائيلي من البرنامج النووي الايراني، وانما ايضا مع تقليد قديم يعتبر انه ينبغي ان تمر العلاقات الاميركية بالمنطقة عبر المصالح الاسرائيلية. وسيكون هناك جدل كبير اميركي – اسرائيلي وتصلب لتل ابيب في ملفات النزاع مع العرب، وضغوطات من اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة، من اجل الحصول على ضمانات اميركية بأن الحوار مع طهران لن يكون على حساب المصالح الاسرائيلية، اي ان هدفه تخلي ايران عن برنامجها النووي الحالي، وضمان عدم تهديد الامن الاسرائيلي. وتاليا على اميركا الذاهبة الى الحوار مع ايران ان تعد نفسها لمواجهة طرفين في هذا الحوار، ايران واسرائيل.
في موازاة ذلك، ستكون الدول العربية، خصوصا الخليجية، مهتمة بهذا الحوار وبنتائجه، خصوصاً بالمدى الذي يمكن ان تنسحب فيه الولايات المتحدة لمصلحة ايران. فالدول العربية الراغبة بعلاقات طبيعية وحسن جوار مع ايران، تدرك ميزان القوى. وتحتاج في الوقت نفسه الى ضمانات بأن هذا الميزان لن يختل الى حدود تهديد مصالحها الوطنية التي يعتبر بعضها انها مهددة حاليا، رغم الوجود الاميركي في المنطقة.
هكذا لن يكون الحوار الاميركي – الايراني ثنائيا، بل سينطوي على دخول كل اللاعبين الاقليميين فيه، وتاليا لن يكون نجاحه مضمونا من دون ضمان مصالح هؤلاء اللاعبين. وهنا تكمن معضلة هذا الحوار.




















