الذين تابعوا بدقة اقوال الرئيس سليمان ومواقفه في باريس، من خارج "عجقة" الرسميات، يدركون بسهولة ان هذه الاقوال تنطلق كلها، بتسلسلها المنطقي الخاص، من اعلان الرئيس في خطبته امام الجمعية العمومية للامم المتحدة في دورة ايلول الماضي، ولو بشيء من الخفر بل التحفّظ، مطالبته بإصلاح النظام.
• • •
والقرارات التي نقترح اتخاذها فوراً، وبالحد الادنى من المناقشة لانها اشبعت مناقشة في كل المقامات والحلقات والمجالس المختصة، هي الآتية:
اولاً: تأليف "الهيئة الوطنية" التي ينصّ عليها اتفاق الطائف، لاقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية والتي كان يعارض انشاءها في حينه بعض غير المستعجلين ممن صاروا كالرئيس نبيه بري يطالبون بإنشائها الآن، فشكراً.
هذه الهيئة يمكن في نظرنا ان تصبح، اذا كان تأليفها "وطنياً" جامعاً، هيئة العمل الدستوري التي يلتقي ضمنها كل المعنيين بالاصلاح الدستوري، ويمكن ان تكون هي مكان المجال التمهيدي للنظر في استحداث مجلس الشيوخ الذي ينص الدستور (في مادته الـ 22) على تمثيله "العائلات الروحية" (اي، بتعبير رفيع التهذيب: "الطوائف" وهو التعبير الذي تحاشى المشترع الدستوري ذكره بالتسمية الحاف ربما كي لا يكرّس كونه، في آن واحد، العلة والعلاج!).
ثانياً: استكمال الخطوات الدستورية لتعيين مجلس الشيوخ، بعد ان اقترع مجلس النواب بالاجماع على خفض سن الاقتراع الى 18 سنة.
وقد يكون مناسباً ان يدرس المجلس، بشيء من التكامل، استحداث مجلس الشيوخ وتعديل قانون الانتخابات النيابية العالق امام المجلس وفيه اقتراح باللجوء الى التمثيل النسبي الذي صار هو ايضاً مطلباً ملحاً لدى بعض كبار معارضيه حتى امس قريب! وتقسيم الدوائر وتوزيع المقاعد هما مطروحان كذلك في المشروع المحال على المجلس قبل اقرار القانون المعمول به، ولا بد من النظر فيه واقرار صيغة له تنسجم مع المشروعين الآخرين (الشيوخ والنواب).
تأتي هكذا النصوص التي تتناول السلطة التشريعية في صياغة معمارية متكاملة التناسق.
ثالثاً: ولكي تكتمل عمارة السلطة التشريعية، يجب بالطبع ان يشرعن تنظيم القاعدة بغير التنظيمات الموروثة من الزمن العثماني والتي عدّل بعضها الانتداب الفرنسي تبعاً لقوانينه هو.
في نظرنا يجب الانطلاق من جعل انتساب المرشحين الى الاحزاب إلزامياً، كي يأتي ممثلاً للأحزاب لا للطوائف والمناطق فحسب. مع شرطين للترخيص للاحزاب: ألا تكون طائفية الانتساب أو التكوين، وألا تكون لديها ميليشيات مسلحة (حتى ولا بالعصي والخيزرانات!!!) وثانياً ان تنشر موازناتها على نحو يجعل انفاقها علنياً وخاضعاً بالتالي للمراقبة. وكذلك مداخيلها التي تستدعي قبول الاشتراكات من الاعضاء والهبات العلنية من مصادر خاضعة بدورها للرقابة. ويجب ان يرتب القانون على الاحزاب تنظيم محاضر لمناقشات هيئاتها والمقررات، ولا مقررات سرية غير خاضعة لمراقبة المراجع الحزبية والسلطات السياسية المختصة، وفق قوانين موضوعة سلفاً. على الا تصدر قوانين تلزم الاحزاب ما لم تكن ملتزمة اياه عند تأسيسها والترخيص لها.
• • •
… والآن، السؤال العملاني الكبير:
هل تقبل الحكومة "السنيورية"، بثلثها المعطّل، بالاقدام على هذا الاصلاح الدستوري، أم توقع الرئيس سليمان في مثل المأزق الذي وقع فيه سلفه سابقاً الرئيس فؤاد شهاب عندما كان يطالب بإصلاح النظام… ثم عندما قيل له إن ذلك يمر عبر تعديل للدستور، قال إنه، هو "يتقيّد بالكتاب"، متناسياً ان "الكتاب" ينص على طريقة التعديل، اي انه يفترض نشوء ضرورة هذا التعديل عندما تطرح حاجة اصلاح النظام ذلك؟
الرئيس شهاب رفض التجديد الذي كان يفرضه اصلاح الحكم عندما تبين ان التجديد يفترض تعديل "الكتاب".
• • •
ما هو المخرج إذاً؟
أن تجرى الانتخابات المقبلة في شكل استفتاء على الإصلاح الدستوري، فإذا قال الشعب كلمته إيجاباً، تألفت من المجلس الجديد حكومة لا تجرجر معها مخلفات الأزمات التي أطاحت العهد السابق، بل تأتي في زي فريق عمل لا يخاف الاقدام على إصلاحات دستورية جذرية، حتى لو قيل إنها بمثابة الثورة الدستورية، ولمَ لا؟…
وليتحصن الرئيس سليمان بامتيازاته الدستورية ولا يُستدرج الى أن يكون هو ويذهب عهده ضحية ما كان يجب أن يكون حصانة دستوريته.
غسان تويني
ghs@annahar.com.lb




















