سبق لنا أن عشنا هذه التجربة. رئيس حكومة إسرائيلية عاقد العزم على التوصل إلى اتفاق، زعماء عرب غير مستعدين للتسوية، وخلق توقعات لا مثيل لها والتسبب بخيبة أمل لا يمكن وصفها. سبق أن عشنا هذه التجربة. رئيس الحكومة كان إيهود باراك، بينما الزعيم الفلسطيني كان يُدعى ياسر عرفات آنذاك. باراك أراد إحراز إنجاز سياسي سريع يُسجل على اسمه، فكانت قمة كامب ديفيد خياراً رائعاً بالنسبة اليه.
عندما تفجّرت القمة، بدأت الحملة الدعائية التي كان جوهرها وغايتها إثبات أن عرفات هو المسؤول عن فشل المحادثات، وأنه بسببه، فقط بسببه، لن يحصل السلام. كان هذا سهلاً، كان بسيطاً ومريحاً بشكل أساسي. الزعماء الإسرائيليون قادرون على أن يقولوا للجمهور كل شيء عن الفلسطينيين. الوقائع ليست مهمة، المهم هو التعابير والألفاظ.
هذا ما حصل هذه المرة أيضا. رئيس الحكومة المنصرف إيهود أولمرت يتعامل مع حماس بالأسلوب ذاته الذي تعامل فيه باراك مع عرفات. عملية خلق التوقعات والشعور بالإندفاعة التي سبقت انفجار الاتصالات هي ذات العملية. وكذلك هو الأمر بالنسبة لشرح أسباب عدم تنفيذ الصفقة. لسنا نحن المذنبين، بل هم. "حماس صلّبت مواقفها" وفق ما طالعنا به قادة الدولة.
لكن يتبين لنا من وراء جبال الكلمات، ان حماس أصرت ببساطة على القائمة ذاتها التي تضم 450 معتقلاً والتي وُضعت على طاولة الحكومة قبل زمن طويل. الأمر لا يتعلق إذاً بقيام الحركة بتصليب مواقفها، كل ما في الأمر أنها لم تغيرها ببساطة. كما أن موقف رئيس الحكومة لم يتغير. فهو لم يكن مستعداً اليوم أيضاً للوقوف وراء مثل هذه الخطوة التي يتم فيها الإفراج عن المعتقلين والتي تتطلب قدرة قيادية حقيقية وجريئة.
من دون اتفاق، الطريق الأفضل هي الخروج إلى الجمهور الإسرائيلي والقول له إنه لم يكن أمامه من خيار. اننا لم نقدر على الموافقة. اننا أردنا، فعلاً أردنا، لكننا لم نقدر. ان جلعاد شاليط لن يعود إلى البيت بسبب زعماء حماس. هذا بالضبط ما حصل آنذاك، في قمة كامب ديفيد. نحن أردنا أن نعطي كل شيء لكن عرفات أراد الحد الأقصى. نحن على ما يرام، نحن جيدون.
لكن الحقيقة يجب أن تُقال: ممنوع على الزعيم الخروج في هكذا عملية إذا لم يكن واثقاً كلياً بوجود امكانية لاستنفاد الخطوة، وأنه مستعد بكل قلبه، للقيام بخطوة جريئة وحازمة تؤدي إلى تمترسه في الوعي العام، سلباً أو إيجاباً. ممنوع على الزعيم إعطاء الأمل وخلق التوقعات الكبيرة جداً إذا ما خرج إلى المعركة بالأدوات ذاتها التي سبق له أن استخدمها عند خسارته لمعركة أُخرى.
مثل هذه المحطات الزمنية، مثل قمة كامب ديفيد أو المفاوضات في القاهرة، هي محطات فريدة وخاصة، ومن شبه المستحيل تكرارها. وبشكل عام يعود الطرفان بعد هذا الفشل، مُستنزفين، ويتحصنان في مواقفهما فيما الغضب والاحباط يتزايدان.
الفشل الذي حصل في قمة كامب ديفيد شكل مؤشراً إلى نهاية العملية السياسية. وبعد هذا الفشل لم يكن يمكن لأي شيء أن يستمر كما كان، لأن الجمهور الإسرائيلي بات خائب الأمل، متعباً وفاقداً الثقة بالطرف الثاني. وهكذا فإنه لم يعد يمكن لأي شيء نفعله أن يحظى بتأييد الجمهور.
الفشل في المفاوضات للإفراج عن جلعاد شاليط سيبقي الجندي الإسرائيلي في السجن فترة زمنية طويلة. فتشويه سمعة الطرف الثاني، كما حصل في الماضي، لا تساعد في تحريره، بل تزيد صعوبة ذلك فقط.
("يديعوت أحرونوت" 22/3/2009)




















