شهدت الولايات المتحدة أوسع عملية تسويق، وأكثرها كلفة وتنظيما وكفاءة، في التاريخ، لتعريف «مستهلكي» الانتخابات بالسلعة الجديدة التي يشكك بجدواها منذ ان تشكلت البلاد. هذه الحملة اثبتت جدواها بانتخاب اول رئيس يُقال عنه انه افرو – اميركي، كي لا يوصف بلونه الاسود، وهو في الحقيقة خلاسي لم يعرف جذره الاسود الرق في الولايات المتحدة، ولم يتشبع بقصص العبودية الاميركية منقولة شفويا أباً عن جد أو أماً عن جدة. وإن كان تأثر بهذه القصص من خلال حماسته لأفكار مارتن لوثر كينغ وأجواء الحقوق المدنية عندما كان طالبا.
وسيرة الرئيس الاميركي المنتخب مثل سير كثيرين من الاميركيين البيض، لأنه نشأ وترعرع برعاية جدّيه الابيضين اللذين رغبا في ان يكون حفيدهما مثل سائر الاميركيين «البيض». خصوصاً ان باراك اوباما لم يعرف والده جيدا، ولم يرث منه أياً من القيم التي جاء بها المهاجر الكيني الى الولايات المتحدة. وخصوصاً لأن أمه المثقفة والباحثة في الانتربولوجيا، والمزواجة ايضا، تركت ابنها في عهدة الجدين. واذا تركت الأم لابنها إرثاً ما، فهو الشعور الحاد بالمساواة والحقوق الانسانية وامكان التعايش السلمي والسلس بين الاعراق والاجناس.
في ذروة حركة الحقوق المدنية، كان يمكن ان يوصف اوباما بـ «رأس العبد»، وهو اللقب الذي كان يطلق على الآفرو – اميركيين الذين يندمجون في المؤسسة الاميركية. وذلك تشبيها بتلك الحلوى التي يغطي لون الشوكولا الأسمر او الأسود البياض الفاقع للقشطة في داخلها.
اوباما المندمج في المؤسسة الاميركية، تربية ونشأة وتعليما وعملا وقيما، وايضاً سيرة سياسية، بات قيمة اساسية في هذه المؤسسة، ما مكنه من التدرج في المناصب التي يقررها حزبه الديموقراطي لاعضائه، وصولاً الى الكونغرس والفوز بالترشح الى الرئاسة. ولم تُطرح هذه المسيرة الناجحة في المؤسسة الاميركية تشكيكا في قدراته او مشكلة عرقية. وانما المشكلة كانت في استمرار تلك القناعة التاريخية في الولايات المتحدة لدى الملونين بأن المؤسسة الاميركية ما يزال يحكمها نموذج «ابيض انكلو ساكسون بروتستانتي» (واي. آي. اس. بي)، وان دور الواحد منهم هو تبرير استمرار هذا النموذج، ليس الا. فتعاملوا بتشكيك كبير مع حملة اوباما لنيل ترشيح الحزب وعفّوا عن المشاركة فيها. وباتت هذه الحملة مقتنعة بأن الوصول الى البيت الابيض كان مرتبطا الى حد بعيد بأصوات اولئك الذين يعتبرون انفسهم خارج هذه المؤسسة، من افرو – اميركيين وملونين ولاتين ونساء وشبان.
وحملة التسويق الفائقة البراعة التي قامت بها حملة اوباما توجهت اساسا الى هؤلاء، ونجحت في اقناعهم بإمكان تحقيق حلم بأن هذه المؤسسة تتسع لهم ايضا، وانها قابلة للتغيير. وهنا، ربما، تكن تاريخية حملة انتخاب اوباما بالنسبة الى الولايات المتحدة. اذ تمكنت من ان تدخل تغييرا كبيرا في كيفية التعاطي مع المؤسسة الاميركية، ليس لدى البيض الذين اعتبروا، في غالبيتهم، المرشح الافرو – اميركي، واحدا منهم، بدليل الفوز الساحق الذي اعطاه اياه الديموقراطيون في الانتخابات التمهيدية. وانما تمكنت من ادخال تغيير تاريخي لدى الملونين والمهمشين في نظرتهم الى المؤسسة، وولدت لديهم «الأمل» الذي عبر عنه شعار الحملة، فقاموا بتسجيل اسمائهم في لوائح الاقتراع، للمرة الاولى بالنسبة الى غالبيتهم، وشاركوا في عملية الاقتراع، دعما لوعد «التغيير». وهذه عبقرية اوباما والمعنى التاريخي لانتصاره.
اما الآمال التي اثارها الانتصار، ومدى التغيير في الداخل الاميركي، وعلاقات الولايات المتحدة الخارجية وادارتها للأزمات الكثيرة المعروفة، فانها تقع في عالم السياسة حيث لا يمكن توقع اي معجزة.
"الحياة"




















