خرق إسرائيل الكبير للتهدئة في غزة يشي؛ بحجمه وتوقيته، بأنه كان أبعد ما يكون عن الذريعة الهشة التي ساقتها، لتسويغ عدوانها. الهجمات المفاجئة وبأسلحة متنوعة على عدة أماكن في القطاع؛ وما أسفرت عنه من خسائر في الأرواح والأرزاق، لا تتناسب مع المزاعم الهزيلة والخاوية التي حاولت إسرائيل تسويقها.
هي تدّعي بأن قواتها قامت بتوغلات في غزة، «لإحباط عمليات اختطاف عدد من جنودها، عبر أنفاق تحت الأرض»؛ كان مقاتلو حماس يعدّون لها؛ وفقاً «لمعلومات استخباراتية» توفرت لديها. في ضوء ذلك، أرسلت مجموعات من عناصر قواتها الخاصة ليلاً، إلى مناطق في جنوب ووسط القطاع؛ تساندها الدبابات والمروحيات وقامت بعمليات قصف واقتحام، أدّت إلى سقوط ستة شهداء فلسطينيين وعدد من الجرحى مع تدمير عدة منازل فلسطينية.
لا يحتاج المرء لخبرة واختصاص في الشؤون العسكرية، كي يشتمّ رائحة التلفيق في الرواية الإسرائيلية. الجانب الفلسطيني،امتنع عن القيام بأي خرق للتهدئة، من هذا الوزن أو غيره، منذ بداية العمل بها قبل حوالي خمسة أشهر. ثم على فرض أن مجموعة فلسطينية كانت فعلاً تخطط لاختطاف جنود إسرائيليين؛ وأن الاستخبارات عرفت بالأمر.
الطبيعي كان أن تأخذ القوات الإسرائيلية احتياطاتها لإفشال المحاولة؛ وليس هناك بالتالي ما يدعوها إلى التوغل في غزة؛ لارتكاب عدوانها. عذرها أقبح من ذنبها. توقيت العدوان يزيد، هو الآخر، من فضحه. فهو أتى عشية انعقاد طاولة الحوار الوطني الفلسطيني؛ بعد غد في القاهرة. هذا الاستحقاق كان مدار جدل وأخذ وردّ، بين أطرافه المعنية؛ لفترة غير قصيرة. الشروط والمطالب المتبادلة، هدّدت بنسف احتمال انعقاده. أكثر من مرة كان مصيره في مهب الريح.
في اللحظة التي بدا فيها أن الأمور سائرة باتجاه التزام كافة الفصائل بالموعد؛ وقع، أمس الأول، العدوان الإسرائيلي. بالطبع ليس صدفة. القيام بعملية استفزازية وموجعة، من هذا النوع وفي هذا الوقت بالذات؛ غايتها الأساسية، إرباك الوضع الفلسطيني وبما قد يؤدّي بدوره إلى إرباك عملية التحضير للحوار، في لحظاتها الأخيرة. فإسرائيل مرتاحة تماماً للوضع، في حالته الراهنة.
لا تطيق حتى جلوس الفلسطينيين، مع بعضهم للتحاور. تخشى التوصل فيما بينهم إلى توافق سياسي، ولو بالحد الأدنى، يؤسس لنهاية الانقسام القائم. وهذا ما لا تريده. لكن حتى اللحظة، يبدو أن رهانها في غير محله. الحوار ما زال افتتاح جلساته، في موعده. ففي ذلك الرد البليغ على عدوان إسرائيل الأخير. والردّ الأبلغ يكون في المضي بهذا الحوار، إلى النقطة التي تكفل طي صفحة الانقسام المقيت، والعودة إلى سكّة الوحدة الوطنية الفلسطينية.




















