هذا لن يساعد الناس على استعادة الأموال التي خسروها عند انهيار سوق العقارات أو انهيار البورصة أو الركود، لكن من المرضي معرفة على من تقع الملامة. إلقاء اللوم بأكمله على جيم كريمر من شبكة سي أن بي سي، كما حاول جون ستيوارت أن يفعل، أضفى بعض الحماسة على برنامجه التلفزيوني لكنه لا يوفر الكثير من التوجيهات فيما خص السياسة المستقبلية. آخذة ذلك بعين الاعتبار، استضافت شركة "إنتيليجنس سكويرد يو أس" التي ترعى مناظرات كتلك التي تجريها جامعة أوكسفورد حول مسائل الأخلاقيات والسياسة العامة، ست شخصيات ملمة بمسائل الأسواق المالية لمناقشة الاقتراح القائل "لنلق اللوم على واشنطن أكثر من وول ستريت فيما يتعلق بالأزمة المالية". المشاركون في المناظرة الداعمون للاقتراح كانوا نيل فيرغسون، وهو مؤرخ في جامعتي
هارفارد وأوكسفورد ومؤلف كتاب The Ascent of Money: A Financial History of the World (أهمية المال: تاريخ العالم المالي)» وجون ستيل غوردن، وهو صحافي مختص بالشؤون المالية ومؤلف An Empire of Wealth: The Epic History of American Power (إمبراطورية الثراء: التاريخ الملحمي للنفوذ الأمريكي)» ونورييل روبيني، أستاذ علم الاقتصاد في جامعة نيويورك. معارضو الاقتراح كانوا أليكس بيرينسون، وهو مراسل مختص بالتحقيقات التجارية في صحيفة نيويورك تايمز» وجيم شينوس، مؤسس شركة "كينيكوس أسوشييتس"، وهي شركة استثمارية مختصة ببيع الأسهم بهدف شرائها بسعر أرخص لاحقا» ونيل مينو، محررة تقارير "ذا كوربورات لايبراري"، وهي شركة أبحاث مختصة بإدارة الشركات. وقد أدار المناظرة جون دونفان، مراسل أيه بي سي نيوز. فيما يلي بعض المقتطفات المختارة:
نيل فيرغسون: لا شيء أسهل من إلقاء كل اللوم على المصرفيين. أنا ألومهم على معظم الأخطاء التي اقترفت، لكنني ألوم السياسيين أكثر. من السهل جدا توجيه كل المذمة إلى وول ستريت. وإن لاحظتم، هذا بالضبط ما يفعله السياسيون. هل يعقل أنهم يحاولون إبعاد الانتباه عن المسؤولية التي تتحملها واشنطن في التسبب بالأزمة؟
أدعوكم للنظر إلى الأدوار التي لعبتها أربع مؤسسات في التسبب بهذه الأزمة المالية، وأريدكم أن تفكروا في موقع هذه المؤسسات. أولها هو مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي. دوره كان السماح بحصول ازدهار مفرط في سوق العقارات، وبالتالي انهيار هذا السوق. بين يناير عام 2001 ويونيو عام 2003، خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة على القروض التي يمنحها من 6.5 بالمائة إلى 1 بالمائة. ثم على مدى ثلاث سنوات، رفع معدلات الفائدة تدريجيا إلى 5.25 بالمائة. في تلك الفترة، ارتفعت أسعار المنازل من 7 بالمائة إلى 17 بالمائة سنويا، وبقيت أعلى من 15 بالمائة سنويا حتى يناير عام 2006.
المؤسسة الثانية هي لجنة مراقبة أعمال البورصة برئاسة كريستوفر كوكس، التي سمحت للنظام المصرفي بالاقتراض بشكل مفرط، بحيث ارتفعت معدلات الاقتراض من نسبة 12 إلى 1، إلى 20 أو 30 إلى 1. المشتبه الرئيسي الثالث لدي هو الكونغرس الذي فشل بالكامل في مراقبة أعمال مصرفي فاني ماي وفريدي ماك، اللذين كانت نسبة ديونهما تبلغ 65 إلى 1 عشية انهيارهما. وهذا يقودني إلى البيت الأبيض. لقد أعلن الرئيس جورج دبليو بوش في أكتوبر من عام 2002: "نريد أن يمتلك الجميع في أمريكا منازل خاصة". الجميع في أمريكا!
في معظم الأحيان، الحافز الأساسي للمصرفيين هو الجشع، والأمر نفسه ينطبق أيضا على الكثير من الناس العاديين. لكن دور الحكومة يقضي بإيجاد توازن بين قوى السوق والاستقرار، وعلينا أن نلقي اللوم على واشنطن أكثر من وول ستريت لتسببها بهذه الأزمة. برأيي، واشنطن باعت نفسها لـ وول ستريت.
أليكس بيرينسون: الاقتراح لا ينص على أننا بحاجة إلى المزيد من القوانين التنظيمية في المستقبل» لا أظن أن أحدا في هذه الغرفة يخالف هذا الرأي. ولا ينص أيضا على وجوب نفي كل المصرفيين إلى جزيرة نائية وإجبارهم على تشكيل مجتمعهم الخاص. فهذه الجزيرة موجودة أصلا في منطقة هامبتونز. بل هو ينص على وجوب "لوم واشنطن". وهذا غير صائب.
لننظر إلى قطاع شركات الطيران في الولايات المتحدة. يمكننا إحصاء عدد حوادث تحطم الطائرات خلال هذا العقد على يد واحدة. ولا أظن أن السبب يعود إلى كون إدارة الطيران الفيدرالية أفضل في تنظيم الأمور من لجنة مراقبة أعمال البورصة. أظن أن ذلك يعود إلى التزام قطاع الطيران بإجراءات السلامة. لا أعرف إن كان يلتزم بها لأسباب أخلاقية أو عملية، لكن قطاع الطيران آمن جدا في الولايات المتحدة. لنقارن ذلك بـ وول ستريت، التي يبدو أن مجموعة من الأطفال الجشعين كانت تديرها طوال السنوات الـ10 الماضية. عندما يكون المرء قادرا على جني مليون أو 10 ملايين أو 100 مليون دولار سنويا، ما من محفزات كثيرة تدفعه إلى التخطيط على المدى الطويل.
جون ستيل غوردن: وول ستريت ليست مؤسسة، إنها مجموعة من الأفراد الذين يتأثرون بشكل طبيعي بنزوات الناس. إلقاء اللوم على وول ستريت أشبه بلوم الغلاف الجوي على العواصف الرعدية، فهي محتمة. من المفترض أن تكون واشنطن معقل أصحاب الخبرات، فهم الذين يعدون القوانين ويفرضون تطبيقها. وأحيانا يغيرون هذه القوانين لتسهيل عمل بعض أصدقائهم.
القطاع التنظيمي في حالة فوضى عارمة. لدينا مراقب العملة، ولجنة مراقبة أعمال البورصة، ومكتب مراقبة البنوك الصغيرة وصناديق الادخار النقابية، والمؤسسة الفيدرالية لضمان الودائع المصرفية، وسلطات تنظيم القطاع المصرفي في الولايات. كلها مكرسة لحماية مصالحها قبل تنظيم أي شيء بالفعل.
والسياسيون عرضة أيضا للنزوات البشرية. إن كان العاملون في وول ستريت يركزون على جني الأرباح، فإن السياسيين يركزون على الفوز في الانتخابات التالية. يريدون أن يحظوا بعناوين إعلامية جيدة في الغد، وإن كان ذلك سيؤدي إلى اعتماد سياسات سيئة بعد عامين أو ثلاثة أعوام أو خمسة، فهذا سيحدث بعد الانتخابات، ولن يقلقوا بشأنها قبل ذلك.
جيم شينوس: عام 1998 نشرت مجلة بيزنس ويك استطلاعا للرأي شمل المديرين الماليين [للشركات المدرجة على لائحة ستاندرد أند بورز] من دون ذكر أسمائهم. سئلوا إن كان مديروهم قد طلبوا منهم تزوير النتائج المالية لشركاتهم. والجواب كان مدهشا. فقد قال 45 بالمائة منهم إنه طلب منهم ذلك لكنهم رفضوا، وقال 12 بالمائة إنه طلب منهم ذلك وتقيدوا بالتعليمات، وقال 33 بالمائة إن ذلك لم يطلب منهم قط. إذن في ذلك الوقت، أي قبل 10 سنوات، طلب من ثلثي المديرين الماليين تزوير الحسابات. هذا السبب الرئيسي لامتلاكي شركة تجارية [تجني الأرباح من بيع الأسهم على أمل أن تهبط أسعارها لشرائها لاحقا] أتوقع أن تستمر في جني الأرباح مهما حصل في الأسواق.
نورييل روبيني: أوافق على أن العاملين في وول ستريت جشعون. في بعض الأحيان، هم أغبياء ومتعجرفون وغير أكفاء. لكننا نشهد أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الكبير، لذا علينا أن نسأل أنفسنا، هل المصرفيون والمستثمرون أكثر جشعا وأقل أخلاقية مما كانوا عليه قبل 20 عاما؟ أتوقع أن تكون وول ستريت جشعة، لكنني أتوقع أيضا أن تسيطر القوانين الفعالة على هذا الجشع.
تمت الإشارة إلى أن مهمة بنك الاحتياطي الفيدرالي هي التخفيف من الشوائب قبل تفاقم تأثيرها. بنك الاحتياطي الفيدرالي لم يقم بذلك فحسب، بل إنه زاد من حدة هذه الشوائب. غرينسبان كان أكبر مؤيدي هذا النوع من الابتكارات المالية: قروض سكنية من دون دفعة أولى، وعدم التحقق من المداخيل، وقروض سكنية لا يدفع منها سوى الفائدة، وقروض تفوق قيمتها قيمة الرهن، ومعدلات فائدة متغيرة، وكل هذه الأمور المؤذية في النهاية. كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يتمتع بالسلطة للسيطرة على الوضع لكنه لم يفعل. وقد سادت إيديولوجية في واشنطن طوال العقد الماضي كانت من المسببات الرئيسية لهذه الأزمة المالية، قوامها التساهل، والرأسمالية العشوائية غير المنظمة، والاعتقاد بأن المؤسسات المالية ستنظم أمورها بنفسها. وكما نعرف، التنظيم الذاتي يعني انعدام التنظيم.
نيل مينو: لقد اقترفت وول ستريت ثلاثة أخطاء لا تغتفر. أولا، حساباتها كانت خاطئة. وهي لم تستعن بعلم الرياضيات، بل اعتمدت على الإحصاءات السيئة. الخطأ الثاني هو التحفيزات المؤذية. لقد كان العاملون فيها يتقاضون أجورهم استنادا إلى عدد المعاملات، وليس نوعية المعاملات. ثالثا، الرقابة السيئة من قبل مالكي الأسهم. احزروا هوية كبار مالكي الأسهم؟ إنهم جميعا يعملون في وول ستريت. من كان يصوت لمصلحة الرواتب الخيالية هذه؟ الجواب يكمن في المؤسسات العاملة في وول ستريت. لقد أساءت واشنطن العمـل إلى حـد كبير بالفعـل. هل تظنون أن إنفاق أكثر من 600 مليون دولار من قبل مجموعات الضغط بين عامي 1998 و2008 للتخلص من القوانين التنظيمية والتخلص من القيود المفروضة على البنـوك، كاـن له تأثيـر علـى مـا حـدث؟
غوردن: أنا متأكد من أن هذا صحيح بالكامل. لكن من جهة أخرى، واشنطن هي التي أخذت المال.
مينو: أتعرفون؟ لدى واشنطن نظامها الخاص. وعلى الناس أن يفوزوا في الانتخابات. لقد أخذوا المال. لكنك تلوم الضحية هنا.
فيرغسون: نيل، أنا أحاول فهم كيف يمكن وصف متلقي الرشاوى بالضحايا. أخشى أنك فقدت قدرتك على التمييز بين ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي.
مينو: إن نظرتم إلى إحصاءات مجموعات الضغط، سترون أن نصف الذين قبلوا بالأموال صوتوا ضد هذه المجموعات في كل الأحوال. هذا جزء من عالم السياسة أيضا. فالناس ترشحوا وفازوا بمناصبهم لتأييدهم سياسات تخفف من القيود.
فيرغسون: لقد أصبت. شركة أيه أي جي تبرعت مباشرة لانتخاب المسؤولين والأحزاب بمبلغ 9.3 ملايين دولار منذ عام 1989، ومن بين أهم المستفيدين من الأموال رئيس لجنة الشؤون المالية في مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ. إن كان هذا لا يطلعك أن هناك شوائب أخلاقية في قلب واشنطن، لا أعرف ما قد يقنعك بذلك.
شينوس: عدم قدرة الشرطة غير الكفوءة على اعتقال العصابة الخرقاء لا يعفي العصابة من ذنوبها.
بيرينسون: أعتقد أننا جميعا نوافق على أن وول ستريت قامت بتنظيم مسائلها بنفسها خلال السنوات الـ15 الماضية، وبالتالي يتوقع أن يتصرف الناس في ذلك القطاع كراشدين، لكنهم لم يتصرفوا على هذا الأساس.
مينو: أعتقد أنه يمكن لوم الكثيرين على ما حدث، لكن عندما يقول [رئيس بنك الاحتياطي السابق] بول فولكر إنه لا يفهم كيفية تبادل مشتقات الأسهم، يبدو لي أن علينا إقرار قانون بول فولكر، الذي سيكون فحواه أنه إذا لم يكن بول فولكر قادرا على فهم آلية البيع، من المحظور بيع هذه المشتقات.
فيرغسون: منذ نشوء الولايات المتحدة، كان هناك توتر عميق بين واشنطن ونيويورك. نظرة ألكساندر هاملتون المستقبلية إلى الولايات المتحدة كقوة مالية لم يوافق عليها جميع الآباء المؤسسين للأمة. علينا أن ننظر إلى هذا على أنه جزء من جدال طويل داخل الثقافة السياسية الأمريكية عن مدى النفوذ الذي يجب أن يسمح لنيويورك بأن تملكه، وأظن أن ما حدث في السنوات الـ10 الماضية كان أن نيويورك اكتسبت النفوذ الأكبر. وأعتقد أن بقية البلد مستعدة لردة الفعل المتأتية من ذلك.
تاريخ النشر: الثلاثاء 31/3/2009
"www.newsweek.com.kw"



















