المستقبل –
هل الرئيس السوداني عمر البشير هو "العاشق الوحيد" لتلقى تبعات الهوى على كتفيه؟..
ما يجري في دارفور من مآس أمر محزن ومخزٍ معاً. ولا يجوز أن تمرّ هذه المآسي الانسانية من دون مساءلة أو محاسبة. ولكن استغلال المآسي أمر، ومحاسبة المسؤولين عنها ـ أياً كانوا ـ امر آخر. الاستغلال عمل سياسي. والمحاسبة عمل قانوني. ونادراً ما تسلم العدالة القانونية من براثن الاستغلال السياسي.
فاذا كان الرئيس البشير مسؤولاً بصفته رئيساً لدولة تشكل منطقة دارفور المنكوبة جزءاً منها، واذا كانت مساءلته تنطلق من هذه المسؤولية الدستورية، فلماذا يدير القضاء الدولي ظهره لجرائم ضد الانسانية يرتكبها رؤساء دول آخرون أمثال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ورئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي ايهود اولمرت.. وكل الذين سبقوه من رؤساء إسرائيل؟.
لماذا لا يُسأل الرئيس بوش عن جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأميركية في العراق حيث قتل أكثر من مليون عراقي، وفي افغانستان حيث يجري التعتيم على عدد الضحايا الأفغان باستمرار؟.
ولماذا لا يُسأل أولمرت عن جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، ومن قبل في مخيم جنين في الضفة الغربية؟.
بالنسبة للرئيس بوش، هناك تقرير أعدّه الجنرال الأميركي المتقاعد انطونيو تاغوبا لحساب البنتاغون ـ وزارة الدفاع الأميركية ـ عن انتهاك حقوق الانسان في سجن أبو غريب. يقول التقرير ما ترجمته بالحرف: "لم يعد هناك أي شك في أن ادارة بوش ارتكبت جرائم حرب.. ان السؤال الوحيد الباقي هو ما اذا كان اولئك الذين وجهوا الأوامر لاستخدام التعذيب سوف يُحاسبون".
من الواضح ان الجواب على السؤال الذي طرحه الجنرال الأميركي في تقريره هو ان احداً من هؤلاء المسؤولين لم يُحاسب ولم يُسأل. فهل ان الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد هما فوق القانون الدولي الذي يستخدم لمساءلة الرئيس السوداني عن أحداث دارفور؟.
ثم ان أحداً لم يسأل أولمرت ووزير دفاعه باراك "عن الكحل في عينهما" بعد الجرائم المروعة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في غزة والتي استخدمت فيها أسلحة محرمة دولياً واستهدفت مستشفيات ومدارس وبيوت الناس الأبرياء. فهل ان الإسرائيليين هم ايضاً فوق العدالة الدولية؟.
لا يسمح نظام محكمة الجنايات الدولية الذي اقرّ في عام 1998 باعتقال أو بمحاكمة أي متهم اذا لم تكن الدولة التي يرأسها أو ينتمي اليها موقّعة على نظام المحكمة. والسودان هو من الدول غير الموقّعة على هذا النظام. ومع ذلك يطالب المدعي العام باعتقال الرئيس البشير. اما الولايات المتحدة وإسرائيل فهما من الدول الموقّعة على النظام، غير ان المدعي العام لم يزعج نفسه بإعداد ملف في الاتهامات الموجهة الى كل من بوش وأولمرت للمطالبة باحالتهما الى محكمة الجنايات الدولية.
ومن هنا تبدو الازدواجية في معايير المحكمة التي يفترض ان تكون فوق الاستغلال السياسي. فقد تصرّفت المحكمة على أساس ان الرئيس السوداني هو "في متناول اليد"، وان بوش وأولمرت هما مثل امرأة قيصر فوق الشبهات. علماً بأن ادانة بوش جاءت من داخل ادارته بالذات. وان ادانة أولمرت جاءت من الرئيسة السابقة لمنظمة حقوق الانسان الدولية.
توجه هذه الازدواجية الطعنات الى صدقية المحكمة الدولية في الوقت الذي يفترض أن يكون القضاء الدولي محصناً من اي نوع من أنواع الاستغلال السياسي.
لقد سجلت المحكمة الدولية نجاحات كبيرة في عدد من القضايا الدولية، من أهمها محاكمة الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش وعدد آخر من الجنرالات الصرب الذين ارتكبوا مجازر ضد الانسانية في البوسنة والهرسك. وكذلك محاكمة الرئيس التشيلي السابق اوغيستو بينوشيه، ومحاكمة الرئيس الليبيري السابق الجنرال تشارلز تايلور.
وتجري في الوقت الحاضر بنجاح ايضاً محاكمات مسؤولين آخرين بارتكاب جرائم حرب، منها محاكمة الرئيس التشادي السابق حسين حبري أمام محكمة دولية في السنغال، ومحاكمة زعيم جماعة الخمير الحمر كيو سامغان أمام محكمة دولية اخرى في كمبوديا.
وتشكل هذه المحاكمات عنواناً جديداً من عناوين العدالة الدولية التي تسحب غطاء الحصانة عن اي مسؤول في العالم، أياً كان منصبه اذا ما ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية. ولكن عندما يُستثنى الرئيس الأميركي لأنه رئيس أكبر دولة في العالم، وعندما يُستثنى الرئيس الإسرائيلي ليهوديته ربما، فان هذا الاستثناء يطعن بالمحكمة الدولية وبالعدالة التي تعمل على اشاعتها.
وبسبب هذا الاستثناء وفي ضوئه، يطعن السودان بالتهمة الموجهة الى رئيسه عمر البشير، وترتفع علامة استفهام حول البعد السياسي لهذا الاتهام. ومما يعزز من هذا الطعن ان الاتهام جاء على خلفية رفض تسليم احد الوزراء في الحكومة السودانية المتهم أساساً بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وإصرار الحكومة السودانية على محاكمته داخل السودان وأمام القضاء السوداني، وذلك باعتبار ان قضية دارفور قضية سودانية داخلية؛ وان ما حدث فيها هو في الأساس صراع قبلي.
صحيح ان السودان عجز عن ضبط الوضع الأمني في دارفور، وصحيح ان هذا العجز ادى الى استفحال الصراع والى سقوط الآلاف من الضحايا ووقوع مآسي التهجير الواسع النطاق، وصحيح انه لا بد من ان يتحمّل مسؤولية ذلك الدولة السودانية باعتبار ان دارفور جزء منها، وان سكانها هم جزء من الشعب السوداني، الا ان ذلك كله لا يعني ان الرئيس البشير هو الذي أمَرَ بذلك وانه يجب بالتالي أن يُحاكَم دولياً.
ان هذه الاشكالية تطرح التساؤل حول أين تنتهي سلطة الدولة الوطنية وأين تبدأ سلطة الأمم المتحدة. أي أين يتوقف تطبيق القانون الوطني وأين يبدأ تطبيق القانون الدولي. وهل ان عجز أو مجرد تعثر أي دولة عن معالجة قضية صراع ديني أو قبلي أو عنصري داخل حدودها يبرّر التدخل الدولي تحت ذريعة وضع حدّ لجرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية؟. ومن يملك حق وصف اضطرابات من هذا النوع بانها جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية؟.
لا شك في ان من المهم جداً أن تكون هناك محكمة دولية لكبح جماح التجاوزات التي ترتكب في العديد من مناطق العالم.. ولكن من الخطير جداً أن يترافق ذلك مع ازدواجية المعايير في توجيه الاتهامات وفي الملاحقات الجنائية. وأخطر من ذلك ان تصبح هذه المهمة النبيلة سلعة في الاستغلال السياسي.



















