كنّا ثلاثة بعد آلاف من المشتبه بهم في غرفة التحقيق مع جلاد محقق مأجور، والأعور الدجال ( المحقق الأكبر )، سأل المحقق أوّلنا : لماذا تظاهرت وما اعتراضك وما طلبك؟ رد الشاب متلعثماً: والله لم أكن من المتظاهرين، كنت خارجاً من منزلي، وما طلبي سوى الذهاب إلى متجري وكسب رزقي ورزق أولادي، لكنها الصدفة بأن مجموع المحتجّين كانوا على مقربة، وكنت مضطراً لأن أمر من هنا.
نظر المحقق المأجور الى المحقق الأكبر على كرسيه المعلق على الجدار ليطلب مشورة ورأي. فنطق الأعور الدجال بصوت مدوٍّ قائلاً: عذّبه؛ ليتعلم، وليخزن في ذاكرته القريبة والبعيدة أن يتجنّب التجمعات والاقتراب منها،وليركّز كل اهتمامه على أموره الشخصية ومصالحه فقط.فنفّذ الأمر. وجاء دور الثاني منا ( بعد الآلاف ) فسأله الجلاد المأجور: وأنت ما اعتراضك؟ وما طلبك، يا شايب اللحية وطويلها؟ ردّ الرجل بصوت يملؤه القهر والألم:أتظاهر وأعترض ضد ظلم أصاب أهلي وعشيرتي،ومطالبي عدلاً وحقوقاً حرمنا منهما منذ عقود. انبسطت أسارير المحقق الأكبر لسماعه الرد وصرخ بالجلاد: عذّبه،عذّبه، عذّبه.. ولكن حذارِ أن يموت، فنحن بحاجة لذاكرته،وما تحمله من حقد وألم وقوداً للخراب للأجيال القادمة.فنفذ الأمر. وجاءني الدور ( بعد الآلاف ) فسألني الجلاد المأجور: وأنت أيها الأحمق علامَ اعتراضك ومطالبك؟ أنت من يستطيع الحصول وبقليل من الحنكة وقصر النظر واللسان على كل ما ترغب وتشتهي؟ لن أكذب وأقول أنني لم أكن خائفاً… لكن إيماني بقوة الكلمة وصدقها، كان أكبر من أي خوف، أجبت بصوت يرتجف من الخوف ومن رهبة الرهان، رهان الإنسان على الإنسان:

























