عمان – من عمر عساف:
على مدى ثلاثة أسابيع، استنفرت أجهزة الإعلام الأردنية، وخصوصاً الصحافة اليومية، للرد على "مزاعم" الكاتب المصري محمد حسنين هيكل عن الهاشميين، في برنامجه الأسبوعي "مع هيكل" الذي تبثه فضائية "الجزيرة" القطرية.
فطوال حلقتين متتاليتين، تحدث هيكل عن الهاشميين وخص الملك الراحل الحسين بن طلال بمعظم حديثه، وعرض لما سمّاه "علاقة الملك المبكرة بإسرائيل"، وضمّن الموضوع تحليلات لشخصية الملك، مشيراً الى "تناقضات" كانت لديه وجده الملك المؤسس عبدالله بن الحسين.
رواية هيكل هذه أغضبت كثيرين من الأردنيين الذين تابعوا الحلقتين وأغاظتهم، لما للملك الراحل في نفوسهم من مكانة، لا تزال قائمة على رغم مضي عقد كامل على رحيله. غير أن كثيرين استاؤوا من أسلوب الرد الذي شنته الصحف، وتحديداً المقربة من الحكومة، والتي دخلت في معظمها في مطب "الردح وكيل الشتائم" لشخص هيكل، من دون التعرض لمضمون ما قاله وتفنيده، وفي الدفاع عن شخص الملك الراحل.
فقد استنفرت السلطات كتّاباً عادة ما تستخدمهم للهجوم على الحركة الإسلامية أو على قطر عندما تتأزم علاقتها بأحدهما، وإن لم يتعرض أحد منهم لقطر هذه المرة وصبّوا "غضبهم" على "الجزيرة" وهيكل.
وهؤلاء في الغالب لا يمتلكون القدرة على الرد بعقلانية ومنطق، وإنما يلجأون إلى "القصف العشوائي" لضعف أدواتهم اللغوية والتاريخية وعدم قدرتهم على التحليل.
أسلوب الرد لم يحدث تأثيرا في مكانة الحسين عند الأردنيين التي لم تهزها رواية هيكل كذلك. كما لم يظهر لها أي أثر على الصعيد الخارجي، لأن الإعلام الأردني بمجمله ليست لديه قدرة على التأثير عربياً، فهو لا يمتلك محطة فضائية بموازاة "الجزيرة" الواسعة الانتشار عربياً وأردنياً، ولا امتداد لصحافته في المنطقة العربية. هذا الأسلوب، وفق مطلعين، أثار غضب القيادة السياسية التي ظهر لها جلياً مدى سطحية الردود وضحالتها والأثر السيئ الذي خلفته.
وهي كشفت في الوقت عينه انعدام استراتيجية إعلامية، وبقاء الإعلام الأردني، الرسمي خصوصا، حتى الآن رهيناً لردود الفعل والعمل بنظام "الفزعة"، وعدم قدرته على استقطاب أقلام مهنية ذات مكانة يمكنها الرد على هيكل أو غيره. بل أن عددا من الكتّاب والمحللين الذين يمتلكون القدرة والمعرفة الكافيتين للرد، آثروا التزام الصمت والابتعاد حتى لا يحسبوا على "جوقة الردح"، كما سماها أحدهم.
لذلك، لجأت الحكومة، بعدما ثبت فشل "أسلوب الفزعة" إلى الرد غير المباشر، مستثمرة الذكرى الحادية والأربعين لمعركة الكرامة، اذ ركزت عليها على نحو لافت للتذكير ببطولات الجيش الأردني ودور الحسين بوصفه القائد الأعلى له، في دحر الجيش الإسرائيلي "الذي لا يقهر".
وكذلك تدافع عدد من المنتديات والقيادات السياسية البارزة لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات للحديث عن الدور الأردني في فلسطين والتضامن العربي، وتأكيد التوجه العروبي الوحدوي عند الهاشميين والحسين خصوصا.
الضرر الخارجي
غير أن هذا كله لم يكن كافيا، فالضرر الذي أوقعه هيكل كان في المحيط العربي الذي لا يعرف تفاصيل علاقة الأردن وفلسطين جيدا وعلاقة الحسين الحميمة بشعبه وبالقضية الفلسطينية. وهذا ما جعل محللين يتساءلون عن توقيت حديث هيكل عبر "الجزيرة" عن الهاشميين، قبل أسبوعين من التئام القمة العربية المزمعة في الدوحة.
ولذلك جرى التنسيق مع مكتب "الجزيرة" في عمان لاستضافة رئيس مجلس الأعيان الأردني رئيس الوزراء السابق زيد الرفاعي الذي كان لصيقا بالملك الراحل لفترات طويلة، وهو أحد أبرز أركان الحكم في الأردن والمعروف بحنكته السياسية وقدراته الديبلوماسية، ليرد بصورة غير مباشرة على هيكل في حلقة خاصة بثت امس.
ونظر محللون سياسيون إلى زيارة الرئيس السوري بشار الأسد، التي تبعت الحلقة الأولى من حديث هيكل، وجاءت بطلب أردني، بالكثير من الارتياح، ورأوا أنها في بعض جوانبها خدمت الأردن الذي بات يشعر بشيء من العزلة والتهميش.
ويذهب بعض المحللين إلى حد أبعد في تحليل أسباب توقيت حديث هيكل عن الهاشميين، مستندين إلى نظرية المؤامرة. إذ يرى هؤلاء أن هناك مخططا تشارك فيه أطراف عربية وإقليمية، لضرب شرعية الحكم الهاشمي في الأردن وتشويه صورته بقصد إضعاف موقف المملكة وعزلها عربيا، تمهيدا لتنفيذ مخططات لها ارتباط بمشروع الوطن البديل الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي القادم إلى الحكم قريبا.
قمة الدوحة
أحاديث هيكل طرحت بقوة داخل المطبخ السياسي الأردني سيناريو خفض التمثيل الأردني في قمة الدوحة، كما فعلت عمان مضطرة في قمة دمشق العام الماضي، عندما تمثلت في القمة على مستوى سفيرها هناك، استجابة لضغوط "محور الاعتدال" على رغم اهتمامها بتحسين علاقتها بدمشق.
وعلى رغم إجابة وزير الخارجية الأردني غير الواضحة، عن سؤال قبل أسبوع عن مستوى التمثيل، بالقول أن هذا "بيد صانع القرار"، في إشارة إلى الملك، إلا أن مصادر سياسية رجحت أن يرئس الملك وفد بلاده إلى القمة.
وأشارت تلك المصادر إلى أن المؤيدين لرفع مستوى التمثيل إلى أعلى درجة يفيد الأردن أكثر، لأنه ليس في حاجة إلى إعادة تأجيج التوتر في العلاقة مع قطر، ولوجود مصالح عديدة معها، خصوصا وجود جالية أردنية هناك تقدر بـ 35 ألفا.
ويرى هؤلاء أن حضور القيادة السياسية في القمة يجعلها أكثر قدرة على الحراك سياسياً على صعيدي العلاقات العربية – العربية، خصوصاً أن الأردن يجب ألا يغيب عن جهود المصالحة، وكذلك على صعيد العلاقات الثنائية من خلال عقد أكبر عدد ممكن من اللقاءات الجانبية مع قادة الوفود العربية.
وبصرف النظر عن مستوى التمثيل، فإن الثابت، وفق سياسيين، أن مراجعة شاملة وجذرية يجب أن تجرى لأداء الإعلام الأردني، بعد انتهاء عرس قمة الدوحة.
"النهار"




















