المستقبل –
بغضّ النظر عمّا قاله الرئيس السوري بشار الأسد في أحاديثه الأخيرة وعمّا قد يقوله، وقبل التكهن بنتائج التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما قد يصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من قرارات واتهامات وأحكام في هذا الشأن، وبعيداً عن تصريحات القادة اللبنانيين كافة على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم، لا بد من القول ان تحقيق التبادل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق ومشهد افتتاح السفارة اللبنانية في سوريا وتسمية السفراء في البلدين شكّل نقطة فصل في العلاقات اللبنانية السورية.
في الوقائع، وبعد أن دخل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ المبدئي عام 1990 واضعاً أسساً لقيام علاقات لبنانية سورية صحيحة، دخل اللبنانيون في أتون علاقات ملتوية مع الجار السوري أتاح حصولها عدة عوامل دولية وإقليمية وداخلية لبنانية لسنا بوارد العودة إلى تعدادها الآن. تلك العلاقات الملتوية تحوّلت تباعاً إلى وصاية سورية تامّة على لبنان كرّسَتها ظروف المنطقة السياسية وقبول العديد من السياسيين اللبنانيين بها، منهم بحجة تقديم المواجهة مع إسرائيل على ما عداها، ومنهم تحت مسميّات "وحدة المسار والمصير" وبأهداف نفعية حصراً، وآخرون عن إيمان حقيقي بأهمية تعزيز العلاقات مع سوريا وضرورة السعي التدريجي لتصحيحها.
اليوم، وبعد سلسلة الأحداث المتسارعة في أعوام الألفية الجديدة، وما تخللها من محطات مفصلية تاريخية بدءاً بـ11 أيلول وما تلاها من اجتياح لأفغانستان والعراق، إضافة إلى تطورات الوضع الداخلي اللبناني والوضع العربي والفلسطيني، ثم وبعد رحيل إدارة بوش الأميركية ومع التوجه الجديد لادارة أوباما وما يرافقها من التوجهات الأوروبية الحالية، تصبح المراجعة لكل ما مرّ من أحداث أمراً مطلوباً، وتتحول القراءة الدقيقة لكل هذه المتغيرات حاجةً ضرورية.
لا يمكن حتماً أن ينسى اللبنانيون ما ضاقوا به ذرعاً من تصرفات امتازت بها أجهزة الوصاية السورية على لبنان وأزلامها في تلك المرحلة، لكنهم يعلمون تمام العلم أن علاقات العداء لا يمكن أن تكون هي الحكم بينهم وبين الشعب السوري أو مع سوريا الجار الوحيد من الدول العربية. لذلك هم ينظرون اليوم إلى قيام العلاقات الديبلوماسية مع سوريا من منطلق تحقيق الانتصار التاريخي وبمنظارٍ يرى في الحدث نقطة صفر يستعدون للانطلاق من خلالها في رحلة بناء نهجٍ جديد من العلاقات اللبنانية السورية.
وبناءً على ذلك، لا بد من نقطة تتوقف عندها العلاقات اللبنانية السورية عن الجريان وفق النهج العدائي الذي ساد على مدى السنوات الخمس الماضية أو النهج الاستتباعي الذي ساد قبلها، لتبدأ معها مرحلة جديدة لا تتعدى "جسّ النبض" بغية التأكد من صوابية الاتجاه الذي ستسلكه هذه العلاقة في منحاها الجديد ولضمان عدم استعادتها لصور سابقة ولو بأشكال جديدة.
وعلى هذا الأساس، فإن لبنان الدولة المعترف بها شرعياً في سوريا عبر سفارة تمثلها تصبح في حلٍّ من أي اتهام لها أو لسياسييها بالإخلال في التضامن العربي، وبمنأى عن أي سيناريوات قد يسترسل في رسمها أبواق من هنا وهناك عن تحول لبنان مقراً لاستهداف سوريا وأمنها. وفي الوقت عينه، تصبح مطالب اللبنانيين بتطوير العلاقة مع سوريا وبنائها على أسس واضحة وشفافة وندية مَطالباً "أخوية" لا عدائية، رغم علمنا الأكيد أن البعض في لبنان الذي يتوق للنمط السابق من الوصاية السورية سيبقى ينظر إلى هذه المطالب بعين المشكّك والمخوِّن دائماً.




















