الدكتور عبدالرحمن بن حمد السعيد
في هذا الوقت الذي تمر فيه شعوبنا العربية بظروف وتحديات مصيرية جراء ما تتعرض له من محاولات خارجية تطمح الى تهميش دورها ومكانتها واستلاب عناصر القوة والمنعة لديها، وما نراه من عبث يمارسه بوعي او بدون وعي بعض المنتسبين إلينا، فاننا ندعو القوى الحية والفاعلة كافة الى التكاتف والتلاحم حفاظاً على المقدسات والثوابت القومية ودرءاً لمخاطر أصبحت تلوح بقوة في الأفق المدلهم.
فواقع الحال يظهر ان أراضينا قد استبيحت، وأن قضايانا الأساسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية قد هُمّشت، او أن العمل جار على تهميشها… بل أن هويتنا العربية والإنسانية ذاتها تتعرض اليوم لمخاطر لم تعد تخفى على ذي عقل ونظر. فلقد استهان بنا أعداؤنا وأحرجنا أصدقاؤنا.
ان استمرار هذا النزف يوشك أن يحولنا كتلة هامشية لا تملك اثراً ولا تأثيراً على مجريات المسيرة الانسانية، ناهيك بمصيرها ومستقبلها.
واننا نلفت الى الظواهر الآتية:
-1 لاحظنا أن هناك جهوداً كانت تمارس على استحياء فيما مضى لخلخلة الموقف العربي والعمل على تعميق ما فيه من هشاشة وضعف وتضخيمهما. وقد كانت هذه الجهود تمارس في الماضي على استحياء، وهي اليوم ويا للأسف الشديد تمارس بشكل علني ألحق بالغ الضرر بمصالح شعوبنا. وما العنفوان الملحوظ فيما يطرحه دعاة التفرقة بين السنة والشيعة الا جزء من هذا النهج الذي يجب أن نتصدى له بكل شعور بالمسؤولية التاريخية وبكل ايمان بوحدة المستقبل والمصير.
ولاحظنا ايضاً اندفاعا للتفريق بين مسيحيي هذه الأمة ومسلميها وهم الذين تعايشوا وتجاوروا منذ عشرات القرون. وإننا نرى ان الاسلام ظهير كبير للأمة العربية ولآمالها ولطموحها المشروع. كذلك المسيحية، وخصوصاً المشرقية منها التي تعتز بعروبتها ويجب ان تكون عوناً وعمقاً للامة في هذه اللحظة التي تواجه فيها هجمة يراد لها ان تغرق الجميع في مستنقعها القذر.
-2 كذلك لاحظنا أن هناك صراعاً مستتراً حيناً وظاهراً أحياناً بين فئات تدعو وتعمل على تطبيق النموذج الغربي في جميع مجالات الحياة بدون مراعاة لهوية الأمة وتراثها وتاريخها. كما لاحظنا أن هناك فئات أخرى تدعو وتعمل على تطبيق انموذج لا يأخذ في الحسبان ما حققته البشرية من قفزات امتزج فيها الخير بالشر والنافع بالضار…
-3 ان حركة التاريخ ومعطياته الواضحة تشير الى أننا ازاء عالم متعدد القطب، والمصلحة والرؤية. ويحسن بنا، والحال كذلك، أن نختط لأنفسنا طريقاً وسطاً لا يجعلنا ضحية لرغبات هذا أو اطماع ذاك. لكن هذا لن يتحقق الا من خلال اجماع صلب على نهج التضامن والتعاون والعمل العربي المشترك النقي والخالي من شوائب المصالح الضيقة والنظرة القصيرة.
-4 ان استمرار الخلافات بين العرب سيؤدي بالضرورة الى التوسع فيها. حتى أن ما كنا نعتبرها اختلافات هامشية قد تتحول مع مرور الوقت (لا قدر الله) خلافات يكسبها عامل الزمن وتباعد النفوس وتدخل الأجنبي صفة الديمومة وصلابة الجذور مما يصعّب الحلول إن لم ينهِ كل إمكان لها.
لكل هذا فإن المبادرة الى التصدي لهذه الخلافات باتت واجباً، ليس منا أو بيننا من هو في حل من المشاركة فيه.
لذلك فإننا نتوجه بهذه الرسالة العاجلة الى القمة العربية في الدوحة مذكّرين فيها القادة والزعماء بواجبهم القومي، مؤكدين لهم ان التاريخ لن يرحم ولن يغفر لاي منهم الاستمرار في هذا النهج الذي يضع الخلاف والاختلاف فوق مصالح الامة وآمال اجيالها القادمة.
وندعو المثقفين العرب وقادة الرأي الى لقاء قريب، ربما في رحاب الجامعة العربية، لتشكيل السياج العربي المناسب والمعبّر عن ضمير الامة، وليكون مرجعاً اخلاقياً تتم من خلاله مراجعة المواقف والرؤى، انطلاقاً من رؤية الادباء والمثقفين.
إن من يجيل بصره فيما آلت اليه حال الأمة لن يهنأ له بال أو يستقر له ضمير حتى يرى إجماعاً شعبياً قبل أن يكون قيادياً، على أننا لا خيار أمامنا سوى تغليب العقل والمصلحة العامة ونداء التاريخ الذي يعلمنا أن الدول الأقوى والأهم في تاريخنا قد تهاوت قلاعها عندما تولى أمرها من غاب عن بصرهم وبصيرتهم التهديد الأكبر وانشغلوا بصغير الخلافات وهامشيها.
ويجب ألا نغفل، وان للحظة واحدة، عن أن انقسامنا وتبعيتنا لهذا أو ذاك قد ألحقا بنا أقسى وأبلغ الضرر والأذى. وأن نجاتنا تكمن في تشابك ايدينا، وصفاء قلوبنا، ونظرتنا البعيدة الى أفق نرجو انها لنا ولأجيال لم ترَ النور بعد..
إننا والحال هذه أمام أمرين: إما التصدي لتيارات ونزعات الفرقة واستعادة التضامن، واما الانسياق وراء طوفان يحيلنا أمة لا تملك مقومات المنعة والبقاء شيئاً يُذكر.
"النهار"




















