بلورت العلاقات بين تركيا والعراق العديد من التوترات خلال السنوات الأخيرة. إن رفض الجمعية الوطنية التركية (البرلمان التركي) في الأول من شهر مارس 2003 السماح بمكوث وبمرور ال ـ 62000 جندي أميركي بقصد الهجوم على العراق من الشمال كان له وقع الصاعقة في السماء الصافية، ظاهريا، للعلاقات التركية ـ الأميركية.
وهناك مؤشرات عديدة تسمح بفهم مكنون ذلك الرفض. فبالإضافة إلى خطر زيادة العزلة الإقليمية لتركيا في حال أنها كانت قد سمحت بانتشار الجنود الأميركيين على أرضها، لم تشأ الحكومة التركية أيضا السير في الاتجاه المعاكس لناخبيها. إن مختلف استطلاعات الرأي كانت تدل آنذاك على أن أغلبية الرأي العام التركي كان ضد الحرب.
كذلك كانت المكانة القانونية لشمال العراق تمثّل أحد النقاط الأساسية للمفاوضات التركية ـ الأميركية خلال شهر فبراير 2003. إن المطلب الأساسي للعسكريين الأتراك الذي اصطدم برفض حاسم من قبل واشنطن كان يخص تدخّلهم في شمال العراق لثلاثة أسباب على الأقل.
السبب الأول هو خلق منطقة عازلة ترمي إلى كبح حركة دعاة الاستقلال من حزب العمال الكردستاني الذي لجأ حوالي 5000 من مقاتليه إلى الجهة الأخرى من الحدود. والسب الثاني هو منع إعلان قيام دولة كردية عند الإطاحة بالنظام العراقي مما كان سوف ينعش تطلعات القوميين الأكراد في تركيا لنيل الاستقلال الذاتي. وثالثا كان هناك قسم من العسكريين الأتراك تغريهم فكرة إقامة دولة تركمانية مدعومة من أنقرة.
بالتالي كان ينبغي استخدام تركمانيي العراق الذين تقدّر تركيا عددهم بـ 2,5 ملايين نسمة، بينما الرقم المتداول المقبول عامة هو 500000 نسمة. غيّر السقوط المفاجئ للنظام العراقي المعطيات. ولم تتوقف تركيا منذئذ عن المطالبة بضمان وحدة التراب العراقي وأن يقرر العراقيون مستقبلهم وحدهم؛ وعادت أنقرة للاهتمام الواضح بسياستها في الشرق الأوسط.
هذا خاصة أن القلق التركي تعاظم منذ ربيع عام 2003 بسبب الدور الذي لعبه الأكراد في الإطاحة بصدام حسين كما بسبب التطورات التي عرفتها الأوضاع في العراق. وعلى الرغم من التصريحات المطمئِنة لقادة الأكراد في العراق حول إرادتهم في المحافظة على السمة التوحيدية ـ لكن الفيدرالية ـ للبلاد فإن ما يُلاحظ في الواقع هو نوع من المضي في الاستقلال الذاتي لشمال العراق. تركّزت بعد ذلك التوترات حول نقطتين. الأولى هي مصير ومستقبل مدينة ومنطقة كركوك.
والثانية تطورات الجزء الشمالي من العراق ومسألة حزب العمال الكردستاني. بالنسبة لكركوك ومنطقتها الغنية بالنفط يرى الأكراد أنها ينبغي أن تكون خاضعة لإدارتهم الخاصّة، وهذا ما يرفضه قطعيا التركمان المدعومين من أنقرة، وانضمّت إليهم في هذا الموقف كل المكوّنات العربية للمجتمع العراقي.
والاستفتاء الشعبي الذي نصّ عليه الدستور العراقي الجديد وبحيث يجري في عام 2008 لم يتم تنظيمه حتى الآن.أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة مارست الضغط على القادة الأكراد في العراق كي يتخلّوا، ولو مؤقتا، عن إجرائه وتركيا تدين بشكل مطلق كل ما يمكن أن يؤدي إلى المساهمة في الاستقلال الذاتي للمنطقة الكردية.
كان مثل ذلك الوضع قد وجد صديً لدى إدارة بوش التي لم تكن تكتفي في النظر إلى المنظّمات الكردية في العراق على أنها الأكثر مصداقية في البلاد، بل كانت ترى أنها يمكن أيضا أن تكون مفيدة جدا من أجل تحقيق مشاريع إعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير العزيزة على قلب المحافظين الجدد.
وقد يمكنها أيضا لعب الورقة الكردية ضد سوريا وإيران وحتى تركيا. لكن إذا كان انتخاب جلال طالباني رئيسا للعراق عام 2005 قد أثار في البداية قلقا حقيقيا في أنقرة فإنه جرى تحليله سريعا على أنه أفضل ضمان للمحافظة على وحدة الدولة العراقية. أمّا بالنسبة للنضال ضد حزب العمال الكردستاني وما يُمثل أحد المسائل الأساسية في الحياة السياسية التركية فإنه عرف مرحلة جديدة من التوتر في شهر سبتمبر من عام 2007 إثر سلسلة من العمليات الإرهابية.
لقد سمح عندها البرلمان التركي بتاريخ 17 أكتوبر التالي للحكومة بالقيام بعمليات عسكرية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني الواقعة في شمال العراق. وتبع ذلك عدّة مراحل من القصف الجوّي وعملية بريّة في شهر فبراير 2008. كانت أجهزة استخبارات بوش قد زوّدت الأتراك بمعلومات. أمّا السلطات الكردية العراقية فقد أخذت موقفا في اتجاهين عبر إدانة تدخّل الجيش التركي وبنفس الوقت أخذ مسافة عن حزب العمال الكردستاني.
ذلك على خلفية فهمها أن العلاقات الجيّدة مع أنقرة ستكون بعد حين أكثر أهمية منها مع حزب العمال الكردستاني، خاصة عندما ستنسحب القوات الأميركية من العراق. هكذا جرت اتصالات عديدة خلال عام 2008 بين مبعوثين أتراك ومسعود البرزاني، رئيس الكيان الكردي في شمال العراق، مما وضع نهاية للقاعدة القائلة بعدم القيام باتصالات.
كاتب فرنسي ـ باريس
mohaklouf@yahoo.fr
"البيان"



















